“سند” يرصد السائق .. فمن يرصد المسؤولين والمؤسسات ؟

8٬581

صوت البلد للأنباء –

في الوقت الذي يستطيع فيه المواطن الأردني تقديم بلاغ عبر تطبيق «سند» بشأن بعض مخالفات السير والخدمات المرتبطة بها، يطرح المواطنون سؤالا آخر لا يقل أهمية وهو : لماذا لا تكون هناك نافذة واضحة وفاعلة للإبلاغ عن مخالفات تمس حياة الناس اليومية، كشارع متهالك، أو مؤسسة لا تلتزم بالأنظمة، أو أشجار تُقطع دون معرفة الأسباب، أو مظاهر اعتداء على المرافق العامة؟ والاهم من ذلك مخالفات المؤسسات والمسؤولين وحتى الفساد ؟

 

السؤال ليس جديدًا، لكنه يبدو أكثر إلحاحًا هذه الأيام، مع اتساع الحديث عن ضرورة أن يكون المواطن شريكًا حقيقيًا في حماية المصلحة العامة، لا مجرد متلقٍ للخدمة فالمواطن الذي يُطلب منه الالتزام بالقانون، ودفع ما يترتب عليه، والمحافظة على الممتلكات العامة، والإبلاغ عن المخالفات المرورية، من الطبيعي أن يسأل عن المساحة المتاحة له عندما يرى مخالفة أخرى في الشارع أو الحي أو المؤسسة أو المكان العام.انضم للجولات التاريخية

 

لماذا لا يستطيع أن يلتقط صورة لشارع مكسّر ويبلغ عنها؟ ولماذا لا يستطيع الإبلاغ عن حفرة أصبحت مصدر خطر على المركبات والمشاة، أو عن رصيف محتجز أو متهالك، أو عن أشجار يتم تقليمها أو قطعها بطريقة تثير التساؤلات، أو عن منشأة لا تلتزم باشتراطات يفترض أن تكون خاضعة للرقابة؟

 

المسألة هنا ليست المطالبة بتحويل المواطن إلى «مراقب» على الدولة، بقدر ما هي دعوة إلى توسيع مفهوم المشاركة المجتمعية فالدولة لا تستطيع أن تكون موجودة في كل شارع وكل حي وكل لحظة، مهما اتسعت أجهزتها الرقابية والخدمية. وفي المقابل، فإن المواطن موجود هناك؛ يرى ويسمع ويلاحظ ما قد لا يصل إلى الجهات المعنية إلا بعد أن يتحول إلى مشكلة أكبر وهنا تحديدًا يمكن أن تتحول التكنولوجيا من مجرد وسيلة لإنجاز معاملة إلى أداة للمشاركة في حماية المصلحة العامة.

أحد أكثر الأمور التي تعزز ثقة المواطن بأي نظام للإبلاغ هو ألا ينتهي البلاغ بمجرد الضغط على زر ( إرسال) ،المواطن يريد أن يعرف: هل وصل البلاغ؟ من هي الجهة التي استلمته؟ هل تمت معاينته؟ وما الإجراء الذي اتخذ؟ وإذا لم يكن من اختصاص الجهة المستقبلة، إلى أين تم تحويله؟ هذه التفاصيل تبدو إجرائية، لكنها في الواقع تصنع فارقًا كبيرًا في علاقة المواطن بالمؤسسة الرسمية.اطلب استشارة قانونية

فعندما يبلغ شخص عن مشكلة في شارع أو مرفق عام، ثم يحصل على رقم للبلاغ ويتلقى تحديثًا بشأنه، يشعر أن صوته وصل إلى مكان ما،أما عندما لا يجد قناة واضحة، فقد يكتفي بالشكوى على مواقع التواصل الاجتماعي، فتتحول المشكلة من بلاغ يمكن التعامل معه رسميًا إلى منشور ينتظر التفاعل والانتشار.

من «مخالفة مرورية» إلى «مخالفة تمس المدينة»

المطلوب ليس بالضرورة أن تكون كل الشكاوى من اختصاص جهة واحدة بل يمكن أن تكون الفكرة في وجود منصة موحدة للبلاغات المدنية، تستقبل الملاحظة ثم تحولها تلقائيًا إلى الجهة المختصة شارع مكسّر إلى البلدية أو الجهة المسؤولة عن الطريق وشجرة يتم قطعها أو الاعتداء عليها إلى الجهة البيئية أو البلدية المختصة ومشكلة في مؤسسة أو منشأة إلى الجهة الرقابية صاحبة الاختصاص ومرفق عام متضرر إلى المؤسسة المسؤولة عنه.

وهكذا لا يبقى المواطن في دائرة السؤال التقليدي: أين أشتكي؟ بل يصبح السؤال: «ماذا حدث لبلاغي؟ وهذا فرق كبير فالشراكة لا تعني تحميل المواطن مسؤولية الدولةتصفح المعاجم الرقمية

وفي المقابل، فإن الحديث عن إشراك المواطن لا ينبغي أن يتحول إلى طريقة لنقل مسؤولية الرقابة من المؤسسات إلى الناس.

الدولة مسؤولة عن الرقابة، وإنفاذ القانون، وصيانة الطرق والمرافق، وحماية البيئة، وضمان تطبيق الأنظمة لكن المواطن يستطيع أن يكون عينًا إضافية تساعدها على اكتشاف الخلل بسرعة وهذه الشراكة، إذا صُممت بطريقة صحيحة، لا تنتقص من دور الدولة، بل قد تعزز قدرتها على الوصول إلى المشكلات قبل أن تتفاقم.

 

كما أن وجود قناة رسمية للبلاغات قد يخفف من الفوضى التي تنتج أحيانًا عن تداول الشكاوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر صورة أو مقطع فيديو دون معلومات كافية، وتبدأ الاتهامات قبل أن تتضح الوقائع.

 

ومن حق المواطن أن يسأل عن تطوير الخدمات الرقمية بما يتناسب مع مفهوم الحكومة الإلكترونية الذي لا يقتصر على إنجاز المعاملات فالحكومة الرقمية ليست فقط أن يحصل المواطن على وثيقة إلكترونية أو يدفع رسومًا عبر الهاتف.

هي أيضًا أن يستطيع أن يتواصل مع مؤسسات الدولة، وأن يبلغ عن مشكلة، وأن يتابعها، وأن يعرف نتيجة ما أبلغ عنه.احجز استشارة حكومية

 

ومن هنا يأتي السؤال إلى الجهات المعنية: إذا كان بإمكان المواطن الإبلاغ عن مخالفة سير، فلماذا لا يستطيع بالطريقة نفسها الإبلاغ عن شارع مكسّر؟ وإذا كان يستطيع أن يرسل بلاغًا بشأن مخالفة مرورية، فلماذا لا تكون هناك آلية واضحة للإبلاغ عن اعتداء على شجرة أو مرفق عام أو مخالفة في مؤسسة؟ السؤال في جوهره ليس عن تطبيق بعينه، ولا عن إضافة زر جديد إلى تطبيق إلكتروني إنه عن فلسفة العلاقة بين المواطن والدولة

 

فبناء المجتمع لا يكون بالقرارات الحكومية وحدها، ولا بالمواطن وحده هو عملية مشتركة، تبدأ من احترام القانون، وتمتد إلى حماية الممتلكات العامة، والإبلاغ عن الخلل، والاستجابة للبلاغ، ومحاسبة المقصر، وإعطاء المواطن شعورًا بأنه شريك في المكان الذي يعيش فيه.

 

وربما آن الأوان لأن تنتقل فكرة ” الإبلاغ عن المخالفة ” من مفهومها الضيق المرتبط بالسير، إلى مفهوم أوسع عنوانه:

«أبلغ عن كل ما يضر بالمصلحة العامة».

عندها فقط يصبح الهاتف الذي في يد المواطن ليس وسيلة لتصوير المشكلة ونشرها فحسب، بل وسيلة لإيصالها إلى الجهة التي تستطيع حلها.

 

قد يعجبك ايضا