صوت البلد للأنباء –
بين رفاهية الشراء وحاجة البيع، نشأ في الأردن ما يمكن تسميته بـ”سوق الوقت”، حيث لم يعد سعر السلعة وحده هو ما يدفعه المستهلك، بل أصبح الوقت الذي توفره جزءاً من ثمنها.فأرفف المحال اليوم لم تعد كما كانت، خضار مغسولة ومقطعة وجاهزة للحشي، وثوم مقشر، ودجاج منظف ومقطع ومتبل، وصولاً إلى معجنات معدة للحشو والخبز فقط، كلها منتجات تختصر دقائق طويلة من التحضير المنزلي، ويدفع المستهلك ثمن هذا الاختصار.
ولا يتوقف الأمر عند الغذاء، بل يمتد إلى سوق الخدمات، فمن يزاحمه الوقت يفضل سيارة الأجرة على الحافلة، ويدفع بدل توصيل لوجبة أو طرد، مقابل توفير مشوار طويل في زحام المرور.وتقول أم علي وهي موظفة في شركة خاصة وأم لثلاثة أطفال، إن شراء الوقت بات ضرورة لا بد منها للمرأة العاملة، لكنه متفاوت حسب ساعات العمل وعدد أفراد الأسرة وبعد مكان السكن.
وتضيف أنها تشترك بخدمة تنظيف المنزل أسبوعياً مقابل 15 ديناراً، وتشتري الكوسا والباذنجان المحفور رغم أن سعره مضاعف، وتطلب من المخبز خبز المعجنات بعد تجهيز حشوتها، وتلجأ أحياناً لشراء الدجاج الجاهز للطهي، وكل ذلك لإدارة وقتها بين العمل وتدريس الأبناء والمسؤوليات الاجتماعية.
ويشاركها الرأي الشاب محمدعلي، الذي يعمل 11 ساعة يومياً، ويقول إنه يحرص على تناول طعام صحي لكنه لا يجد وقتاً لتحضيره، فيشتري طعامه جاهزاً ويدفع بدل توصيل، ويعتمد على محلات تنظيف الملابس غسلاً وكياً، مفضلاً دفع المال مقابل توفير جهده ووقته في الطرقات.وفي المقابل، يمثل بيع الوقت مصدر دخل لفئات أخرى.
وتقول أم جعفر التي تعمل في مطبخ إنتاجي، إن 80% من زبائنها سيدات عاملات يطلبن الأكلات المفرزة والخضار الجاهزة والوجبات السريعة الطهي، وهو ما يوفر دخلاً لعدد كبير من السيدات المنتجات من ذوي الدخل المحدود ويعملن من المنزل.
أما عون، سائق توصيل في شركة خاصة، فيؤكد أن اعتماد الزبائن على التوصيل بمقابل مادي في ازدياد حتى ممن يمتلكون سيارات، وكلما زاد الطلب ارتفع دخله.
ويرى خبراء الاقتصاد أن سوق الوقت هو سوق اعتمادي يقوم على حاجة متبادلة، فمن يشتري الوقت يرى أنه قادر على تحمل كلفته إما توفيراً لوقته أو كنوع من الرفاهية، وهذا أوجد نشاطاً اقتصادياً وخدماتياً جديداً، وحفز ربات البيوت على الإنتاج المنزلي وأوجد وسائل توصيل وفرص عمل، وكأن المجتمع أعاد تنظيم نفسه وظيفياً، لينتقل جزء من دخل الفئات المحتاجة للخدمة إلى فئات حرفية ومهنية جديدة، في شكل غير معلن من التكافل الاجتماعي الذي تعتاش عليه عائلات بأكملها، مع ضرورة ألا يكون ذلك على حساب الحاجات الأساسية.
أما من منظور علم الاجتماع، فإن الوقت أصبح من أكثر الموارد قيمة وندرة، وظهر مفهوم “الوظيفة البديلة” بأن يقوم شخص أو جهة أو تطبيق بمهمة كان الفرد يؤديها بنفسه مقابل المال، ليخفف عنه عبء الوقت والجهد، حتى لم تعد خدمات التوصيل وتجهيز الخضار والتسوق الإلكتروني والتنظيف ورعاية الأطفال مجرد رفاهية بل أدوات لإدارة الوقت وإعادة توزيعه.
والمفارقة أن انتشار كل وسائل توفير الوقت لم يؤدِ إلى شعور الإنسان بأنه يمتلك وقتاً أكثر، فلا يزال يردد “ليس لدي وقت”، لأن المشكلة ليست دائماً في ضيق الوقت الحقيقي بل في العقل المنشغل باستمرار، فالإنسان يختصر زمن مهامه لكنه يملأ ما وفره بمهام والتزامات جديدة. لذا نستطيع أن نشتري خدمة توفر الوقت، لكننا لا نستطيع أن نشتري الشعور بالوقت، فراحة البال تحتاج إلى أولويات وحدود لا تشترى بالمال.مبيعات