صوت البلد للأنباء –
ما إن أُسدلت الستارة على الانتخابات النيابية الأخيرة حتى بدأ المشهد الحزبي الأردني يفقد زخمه بصورة لافتة، وعادت الأسئلة القديمة لتفرض نفسها على الشارع الأردني حول جدوى العمل الحزبي، وقدرة الأحزاب على التحول من منصات انتخابية موسمية إلى مؤسسات سياسية فاعلة تحمل هموم المواطنين وتقدم حلولاً واقعية للتحديات التي تواجه الدولة والمجتمع. فعلى الرغم من أن الأردن يعيش مرحلة سياسية جديدة عززتها منظومة التحديث السياسي والتشريعات الناظمة للحياة الحزبية،
إلا أن مراقبين ومواطنين يرون أن الحراك الحزبي الذي سبق الانتخابات شهد تراجعاً ملحوظاً بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي، سواء من حيث الفعاليات أو اللقاءات الجماهيرية أو الحضور الميداني، لا سيما في المحافظات التي كانت تشكل ساحة رئيسية لنشاط الأحزاب خلال فترة الاستقطاب والانتساب. ويبلغ عدد الأحزاب السياسية في الأردن 32 حزباً،
فيما يتجاوز عدد المنتسبين لها 85 ألف عضو، يشكل الذكور منهم نحو 57 ألفاً، بينما تتصدر محافظات العاصمة وإربد والزرقاء والبلقاء قائمة المحافظات الأكثر استقطاباً للأعضاء الحزبيين.
ورغم هذه الأرقام التي تبدو مشجعة من حيث حجم الانتساب، إلا أن السؤال الذي يطرحه الشارع الأردني يتمثل في مدى انعكاس هذه الأعداد على الواقع السياسي والخدمي والمعيشي للمواطنين.
ويرى متابعون للشأن السياسي أن العديد من الأحزاب نجحت خلال الفترة الماضية في تنظيم المؤتمرات والندوات وإطلاق الشعارات والبرامج الانتخابية، لكنها لم تتمكن حتى الآن من إقناع المواطنين بأنها قادرة على تبني الملفات الوطنية الكبرى أو تقديم رؤى عملية لمعالجتها. ملفات تنتظر من يتبناها
ويؤكد مواطنون أن الدور الحقيقي للأحزاب لا يقتصر على إصدار البيانات السياسية أو التعليق على الأحداث الجارية، بل يتطلب الانخراط المباشر في معالجة القضايا التي تؤرق الأردنيين يومياً، وفي مقدمتها البطالة والفقر وارتفاع كلف المعيشة والطاقة والمياه والخدمات العامة.
فالملف الاقتصادي، بحسب مراقبين، ما يزال الغائب الأكبر عن أجندة معظم الأحزاب، رغم أنه الملف الأكثر حضوراً في حياة المواطنين، وتبقى البطالة التحدي الأبرز الذي يطرق أبواب معظم البيوت الأردنية، خاصة بين فئة الشباب، الأمر الذي يستدعي من الأحزاب تقديم دراسات ومبادرات ومقترحات تشريعية وبرامج تنفيذية قابلة للتطبيق، بدلاً من الاكتفاء بالشعارات العامة.
كما أن قضايا المياه والطاقة والكهرباء والاستثمار والنقل العام تحتاج إلى أحزاب متخصصة تمتلك فرقاً من الخبراء القادرين على إنتاج سياسات عامة ورؤى استراتيجية تسهم في دعم القرار الوطني وتقديم البدائل والحلول. ويشير مراقبون إلى أن نجاح الأحزاب في الدول الديمقراطية يقاس بمدى قدرتها على إنتاج الأفكار والحلول وليس فقط بعدد أعضائها أو حجم حضورها الإعلامي، وهو ما يجعل الحاجة ملحة اليوم لتطوير الأداء الحزبي الأردني والانتقال به من مرحلة التعبئة الانتخابية إلى مرحلة صناعة السياسات العامة.
المحافظات غياب الحضور واستمرار المركزية وفي المحافظات
يتحدث العديد من الناشطين عن تراجع واضح في الأنشطة الحزبية بعد الانتخابات، حيث اختفت اللقاءات والبرامج التي كانت تنظم بصورة متكررة قبل الاستحقاق الانتخابي، ما عزز لدى البعض الانطباع بأن جزءاً من الحراك الحزبي كان مرتبطاً بالانتخابات أكثر من ارتباطه بعمل مؤسسي مستدام. ويرى متابعون أن الأحزاب مطالبة اليوم بالعودة إلى الميدان والاستماع إلى المواطنين في القرى والألوية والأطراف، والعمل على بناء قواعد حزبية حقيقية قادرة على نقل هموم الناس إلى مراكز صنع القرار، بدلاً من الاكتفاء بالنشاط داخل المراكز الحضرية الكبرى.
كما أن نجاح مشروع التحديث السياسي يرتبط بقدرة الأحزاب على الوصول إلى مختلف المحافظات وإقناع المواطنين بأن الانخراط الحزبي يمثل أداة للتغيير الإيجابي والتنمية المحلية وليس مجرد محطة انتخابية عابرة. هواجس الشارع وعودة الوجوه التقليدية ومن بين أكثر القضايا التي تتردد في أحاديث المواطنين، وجود عدد من الوزراء والمسؤولين السابقين ضمن الهياكل القيادية للأحزاب السياسية، سواء في المجالس السياسية أو مواقع الأمناء العامين أو مساعدي الأمناء العامين. ويطرح البعض تساؤلات مشروعة حول مستقبل الحكومات البرلمانية التي تسعى الدولة للوصول إليها ضمن مسار التحديث السياسي، متسائلين: هل ستقود الأحزاب إلى إنتاج قيادات جديدة وشابة تحمل رؤى مختلفة، أم أنها ستعيد تدوير الوجوه التقليدية التي شغلت مواقع المسؤولية سابقاً؟ هذا التساؤل لا يعكس رفضاً لمشاركة أصحاب الخبرة في العمل الحزبي، بقدر ما يعبر عن رغبة شريحة واسعة من المواطنين في رؤية قيادات سياسية جديدة قادرة على استيعاب المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وتقديم حلول تتناسب مع تطلعات الشباب الذين يشكلون النسبة الأكبر من المجتمع الأردني.
بين الفرصة والتحدي ورغم الانتقادات التي تواجه الأحزاب
يؤكد مختصون أن التجربة الحزبية الأردنية ما تزال في مرحلة البناء والتطور، وأن نجاحها يحتاج إلى الوقت والتراكم والخبرة، إضافة إلى تعزيز الثقافة الحزبية داخل المجتمع. لكنهم يشددون في الوقت ذاته على أن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً للأحزاب، فإما أن تنجح في إثبات حضورها من خلال العمل الميداني وتبني القضايا الوطنية وتقديم البرامج الواقعية، وإما أن تبقى أسيرة المواسم الانتخابية، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على ثقة المواطنين بالعمل الحزبي برمته. الكرة في ملعب الأحزاب ومع دخول الحياة السياسية الأردنية مرحلة جديدة، تبدو الأحزاب أمام مسؤولية تاريخية لإثبات قدرتها على أن تكون شريكاً حقيقياً في صناعة القرار والتنمية والإصلاح، وأن تنتقل من دائرة التنظير إلى دائرة الفعل، ومن لغة البيانات إلى لغة الإنجاز. فالشارع الأردني لا يبحث اليوم عن المزيد من الشعارات، بل عن حلول واقعية تلامس احتياجاته اليومية وتفتح آفاق الأمل أمام الشباب وتدعم الاقتصاد الوطني وتواجه التحديات المتراكمة. وبين أرقام الانتساب الكبيرة والطموحات الوطنية الواسعة، يبقى السؤال مفتوحاً هل تنجح الأحزاب الأردنية في كسر حالة الجمود واستعادة ثقة الشارع، أم أن الحراك الحزبي سيبقى مرتبطاً بالمواسم الانتخابية فقط؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.