بين إعلانات الطوارئ وغرق الأرزاق.. متى تكفّ “الشتوة الأولى” عن مباغتتنا؟

8٬218

صوت البلد للأنباء –

مع كل منخفض جوي يطرق أبوابنا، يعود المشهد ذاته ليتصدر المشهد بلا تغيير: شوارع تتحول إلى مستنقعات جارية، مياه تداهم أرزاق الناس في المحال التجارية، وبيوت في التسويات تجد نفسها فجأة في مواجهة سيول لا ترحم.
وسط ضجيج التحذيرات الجوية وبيانات “الجاهزية التامة”، تبرز المأساة الحقيقية التي يدفع ثمنها التاجر الصغير والمواطن البسيط من شقائه ومدخراته. كيف برمشة عين يتحول هطول المطر—الذي ننتظره استبشاراً وبركة—إلى كابوس يؤرق أصحاب المحال السفلية وسكان الطوابق المنخفضة؟
تخيل أن يقف تاجر وسط متجره، ينظر بعجز إلى بضائعه وهي تسبح في المياه الآسنة بعد أن تسللت من الشارع العام أو فاضت من فتحات التصريف، لا لذنب اقترفه، بل لأن شبكة تصريف عجزت عن ابتلاع مياه أمطار في ساعات معدودة. تخيل عائلة تسابق الزمن لإنقاذ أثاث بيتها وأطفالها من غرق مفاجئ، في مشهد بات يتكرر كل شتاء وكأنه قدر حتمي لا فكاك منه!
هنا يتجلى الخلل الصارخ بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني؛ تخرج أمانة عمان والبلديات في كل مرة ببيانات تعلن فيها رفع درجات الطوارئ وتفقد المناهل، لكن حين تشتد قطرات المطر يتبخر أثر تلك التصريحات وتطفو المشكلة على السطح. نعم، نعلم أن التغير المناخي يفرض هطولاً كثيفاً في وقت قصير، ونعلم أن بعض المباني شُيدت بلا احتياطات كافية أو في مجاري سيول، لكن هل تحول هذا التبرير إلى شماعة سنوية تُعفى منها المؤسسات المسؤولة عن واجب التحديث الجذري للبنية التحتية؟
هل سيتغير المشهد في قادم الأيام؟ السؤال لا يطلب إجابة إنشائية عن نشر آليات وشفط مياه بعد وقوع الكارثة، بل يسأل عن الجاهزية الاستباقية الحقيقية: هل نُظفت المناهل بجدية؟ هل رُصدت النقاط الساخنة التي تغرق كل عام لمعالجتها هندسياً لا ترقيعياً؟ إن إدارة الأزمة بعد غرق البيوت والمحال ليست إنجازاً، بل اعترافٌ ضمني بالفشل في منع الكارثة قبل وقوعها.
الأرزاق ليست أرقاماً في تقارير الخسائر، والمطر لم يكن يوماً عدواً للمدينة حتى نُحمّله وزر إهمال متراكم. إن البنية التحتية تُختبر عند اشتداد الشتاء، والمسؤولية الحقيقية تقتضي حلولاً جذرية تحمي عرق الناس وأموالهم، فالدموع لا تعوض تاجراً خسر تجارته، والبيانات الإنشائية لا تجفف بيتاً غمرته السيول.

 

قد يعجبك ايضا