صوت البلد للأنباء –
كتب: ليث الفراية
الشمس تشرق كل يوم دون أن تُحدّثنا عن عظمتها، تنير الأرض وتمنح الحياة دفئها بصمت، وكذلك القمر ينساب نوره بهدوء ليبدد ظلمة الليل دون أن ينتظر تصفيقًا أو ثناءً، وهكذا هم الكبار أولئك الذين يصنعون أثرهم بعيدًا عن الصخب، ويتركون بصماتهم حيث ينفع العمل ويخلد الإنجاز.
وهذا المشهد ذاته ينطبق على رجالٍ أوفياء حملوا همّ أوطانهم وساروا في دروب العطاء دون أن يلتفتوا للأضواء، وفي مقدمة هؤلاء يبرز اسم الدكتور شهاب القرعان، ذلك الرجل الذي جمع بين العلم والرؤية، وبين الطموح والعمل، فكان نموذجًا أردنيًا يُحتذى في ميادين الابتكار والتقدم، رجلٌ أحب وطنه فحمله معه إلى العالم، وكتب اسمه في سجل الإنجاز بصمت العظماء.
لقد أخذتني الدهشة وأنا أتتبع مسيرة هذا الرجل، سيرةٌ حافلة بالعلم والكفاح والإصرار، فهو ابن الأردن الذي غادر بلده شابًا طموحًا، ليشق طريقه في الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك لم يكن مجرد باحث أو أكاديمي، بل كان صاحب رؤية استطاع أن يحولها إلى واقع ملموس، فأسس شركة “بترا سولار” (Petra Solar) في الولايات المتحدة، والتي أصبحت من الشركات الرائدة في مجال الطاقة الشمسية، مقدّمًا من خلالها نموذجًا متقدمًا في استثمار الطاقة النظيفة.
وفي واحدة من أبرز محطات إنجازه، شارك في تنفيذ واحد من أكبر مشاريع الطاقة الشمسية في العالم، حيث تم تركيب أنظمة طاقة شمسية على مئات آلاف أعمدة الكهرباء في ولاية نيوجيرسي، في تجربة نوعية أعادت تعريف كيفية دمج الطاقة المتجددة بالبنية التحتية الحديثة.
ولم تتوقف إنجازاته عند هذا الحد، بل واصل مسيرته بعزيمة لا تلين، فأسس شركة “Power Edison”، التي طورت حلولًا متقدمة لتخزين الطاقة، من خلال بطاريات ضخمة قادرة على تزويد أحياء كاملة بالكهرباء، في خطوة تعكس فهمًا عميقًا لتحديات المستقبل واحتياجاته.
كما يمتلك الدكتور القرعان سجلًا غنيًا من الاختراعات في مجالات متعددة، شملت الطاقة البديلة، وتخزين الطاقة، والمياه وتحلية المياه، وهو ما يؤكد اتساع رؤيته العلمية وقدرته على الربط بين الابتكار وحاجات الإنسان في مختلف القطاعات الحيوية.
هذه الشخصية التي لم تتنازل يومًا عن ثوابتها الوطنية، بقيت وفية لجذورها، تحمل الأردن في قلبها أينما ذهبت، فقد نهل حب الوطن من بيئة أصيلة، وتربى على قيم الانتماء والعطاء، فكان النجاح بالنسبة له ليس غاية شخصية، بل رسالة أوسع تتجاوز حدود الذات لتخدم الإنسان والوطن.
الدكتور شهاب القرعان ليس مجرد اسم في عالم العلم، بل هو قصة إرادة كتبت فصولها بالتعب، وسُطرت بالعزيمة، وتوجت بالإنجاز، هو عنوان للطموح الذي لا يعرف المستحيل، ومدرسة في الإصرار والعمل، ورحلة نجاح تُروى للأجيال لتؤكد أن الطريق إلى القمة يبدأ بخطوة، لكنه لا يكتمل إلا بالإيمان والعمل.
القرعان حالة وطنية عامة وليست خاصة، ففيه نرى صورة الأردني الأصيل الذي لم تغره المسافات، ولم تبعده النجاحات عن جذوره، بل بقي وفيًا لوطنه، حاضرًا في وجدانه، مؤمنًا بأن الأردن هو البداية وهو الحكاية وهو الانتماء الذي لا يتغير، رجلٌ إذا تحدث تحدث بثقة العارف، وإذا عمل أبدع، وإذا حضر ترك أثرًا لا يُنسى.
وإذا كان للنجاح جذورٌ تمتد في عمق القيم والتربية، فإن لهذه المسيرة أبًا كان مدرسة بحد ذاته، هو الحاج أحمد حسن القرعان (أبو شهاب) رحمه الله، الذي شغل مواقع المسؤولية بثقة الدولة واحترام الناس، فكان محافظًا في عدة محافظات أردنية، ورئيسًا لبلدية الطفيلة، رجل دولةٍ حمل الأمانة وأداها بإخلاص، وترك سيرةً طيبة في ميادين الخدمة العامة.
لقد كان الراحل أبو شهاب مثالًا للرجل الحكيم صاحب الحضور الوازن، قريبًا من الناس، صادقًا في تعامله، مؤمنًا بأن المسؤولية تكليف لا تشريف، وهو ما انعكس بوضوح على أبنائه، فكانت تلك القيم نبراسًا يهتدون به في مسيرتهم، ومخزونًا أخلاقيًا عميقًا يظهر في كل إنجاز يحققونه.
ومن هنا، لا تبدو قصة الدكتور شهاب القرعان منفصلة عن جذورها، بل هي امتداد طبيعي لبيتٍ تربى على الانتماء، ونهل من معين الوطنية الصادقة، فاجتمع الإرث مع الطموح، والتجربة مع الإيمان، ليصنع حالة فريدة تستحق أن تُروى.
إن الحديث عن هذه القامة ليس مجرد استعراض لمسيرة فرد، بل هو تأكيد أن الأردن لا يزال ولّادًا للرجال، وأن العطاء حين يُبنى على القيم، يتحول إلى أثرٍ خالد لا تمحوه الأيام، وأن من يعمل بصمت يصل بصدى إنجازه إلى العالم كله.