قضية احتيال ضخمة في الأردن وتعويض كبير للضحايا

9٬325

صوت البلد للأنباء –

حسمت محكمة التمييز الاردنية مؤخرا قضية حقوقية تعود تفاصيلها الى عملية احتيال استهدفت اسرة عراقية، بعدما اوهم ثلاثة اشخاص الضحايا بوجود صور وفيديوهات لابنتهم يمكن نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واستطاعوا الحصول منهم على مبالغ مالية كبيرة تحت ذرائع مرتبطة بما وصفوه بـ”التامين الامني” وجهات امنية سرية.

 

وقررت محكمة التمييز، في قرارها نقض حكم محكمة استئناف عمان من حيث قيمة المبلغ المحكوم به فقط، بعدما تبين لها وجود خطا حسابي في احتساب قيمة التعويض، والحكم مجددا بالزام المدعى عليهم الثلاثة بالتكافل والتضامن بدفع مبلغ 136 الف دينار للمدعيين الاول والثانية، مع تاييد القرار فيما عدا ذلك.

وتعود القضية الى شكوى جزائية تقدم بها المدعون عام 2017، قبل ان تتطور لاحقا الى دعوى حقوقية للمطالبة بالتعويض عن الاضرار المادية والمعنوية التي لحقت بهم، حيث صدرت في القضية الجزائية احكام قطعية بادانة المدعى عليهم بجريمة الاحتيال بالاشتراك.

كيف بدات قصة الاحتيال؟
بحسب وقائع الحكم، بدأت تفاصيل القضية عندما تواصلت المدعى عليها الثالثة مع المدعية الثالثة، التي كانت صديقتها، واخبرتها ان شخصا كان يقف لفترات طويلة امام منزلها ويطرق الباب ويهدد بنشر صور وفيديوهات بحوزته لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما لم يتم دفع مبالغ مالية له.

وقالت المدعى عليها الثالثة، وفق ما ورد في لائحة الدعوى، انها ستخبر والدها المدعى عليه الاول للتدخل وحل المشكلة مع الشخص المذكور، قبل ان تبدا لاحقا سلسلة من المطالبات المالية التي اقنعت الضحايا بانها ضرورية لانهاء الموضوع.

وبعد نحو اسبوع، طلبت المدعى عليها الثالثة من المدعية الثالثة مبالغ مالية بحجة الحاجة الى دفع مصاريف المحكمة والمحامي وجهة امنية سرية يعرفها والدها، وطلبت تحويل المبالغ باسم المدعى عليه الثاني.

ووفقا للحكم، قامت المدعية الثانية في بداية الامر بتحويل مبلغ قدره 5800 دولار امريكي الى المدعى عليه الثاني، قبل ان تتوالى بعد ذلك التحويلات المالية تحت ذرائع مختلفة، من بينها دفع تامينات لجهات امنية وضباط ومسؤولين بهدف منع نشر الصور والفيديوهات، وتسفير الشخص الذي قيل انه يحتفظ بها.

وبحسب تفاصيل الدعوى اقتنعت المدعية بان الاموال التي يتم تحويلها ليست مبالغ مدفوعة بصورة نهائية، وانما عبارة عن تامينات سيتم اعادتها لاحقا بعد انهاء المشكلة، وهو ما دفعها الى مواصلة تحويل مبالغ مالية الى المدعى عليهما الثاني والثالثة.

وتضمنت التحويلات مبالغ مختلفة بالدولار، من بينها حوالات بقيمة 1600 دولار و3187 دولارا و3187 دولارا و5179 دولارا و3200 دولار و5300 دولار و5750 دولارا، اضافة الى حوالات اخرى بقيمة 15400 دولار و6800 دولار، بحسب ما ورد في وقائع الحكم.

ولم تتوقف المطالبات عند التحويلات المالية، حيث ذكرت الدعوى انه خلال شهر تموز 2017 طلب من المدعية مبلغ اضافي بحجة دفعه للتامين الامني، فتوجهت الى احد مكاتب الصرافة وسحبت مبلغ 14 الف دينار اردني وقامت بدفعه.

ومع استمرار المطالبات المالية وعدم انتهاء المشكلة المزعومة، اضطرت المدعية الثانية الى اخبار زوجها المدعي الاول بما يجري، واخبرته ان الاشخاص الذين تتعامل معهم موثوقون وان الاموال التي دفعتها تم وضعها كتامين لدى جهة امنية، على ان يتم استردادها بعد اغلاق الملف.

وبحسب الحكم، تواصل المدعي الاول مع المدعى عليه الاول للاستفسار عن الموضوع، ليتم ابلاغه بضرورة دفع مبلغ مالي بصورة عاجلة للتامين الامني، الامر الذي دفعه الى تحويل مبالغ مالية بلغ مجموعها 26800 دينار اردني الى زوج ابنته المقيم خارج الاردن، قبل ان يتم تسليمها للمدعى عليهما الاول والثالثة.

كما تضمنت وقائع الدعوى قيام ابنة المدعي الاول بتلقي حوالة من والدها بقيمة 10 الاف دولار وتسليمها للمدعى عليها الثالثة.

وخلال شهري اب وسبتمبر من عام 2017، ووفقا لما ورد في الحكم، تردد المدعى عليهما الاول والثالثة الى منزل المدعي الاول، حيث دفع لهما مبلغ 22300 دينار على دفعتين، على اساس ان هذا المبلغ سيكون الدفعة الاخيرة، وان الملف سيتم اغلاقه لدى ما وصفوه بالجهة الامنية واللجنة الامنية، على ان تعاد لاحقا جميع المبالغ التي تم دفعها باعتبارها تامينات.

كما دفع المدعي الاول خلال شهر تشرين الاول 2017 مبلغ 27500 دينار للمدعى عليه الاول على عدة دفعات، ثم سلم المدعى عليهما الاول والثالثة مبلغ 4250 دينارا في الثاني من تشرين الثاني من العام ذاته.

وبعد حلول الموعد الذي قيل انه سيتم خلاله اعادة الاموال، وتحديدا 12 تشرين الثاني 2017، لم تتم اعادة المبالغ، ووفقا لما ورد في الدعوى بدا المدعى عليهم بتاجيل الموعد وتقديم مبررات مختلفة، فيما طلب المدعي الاول اصطحابه الى الجهات الامنية التي قيل انها تتولى الملف حتى يرى بنفسه حقيقة ما يجري، الا ان ذلك لم يحدث.

ومع استمرار المماطلة، ادرك المدعي الاول، بحسب رواية الدعوى، انه وقع ضحية احتيال، فبدا بتسجيل المحادثات التي جرت بينه وبين المدعى عليهما الاول والثالثة بهدف توثيق ما يقال حول الاموال واستلامها، كما احتفظ بنماذج التحويلات والبينات الاخرى التي قال انها تثبت وقائع الدفع.

وفي 26 تشرين الثاني 2017 توجه المدعي الاول الى مكتب المحامي الذي وكله لمتابعة القضية، وقام المحامي بالاتصال بالمدعى عليه الاول للاستفسار عن مبلغ 137 الف دينار، حيث ابلغ المحامي، بحسب ما ورد في الحكم، ان المبلغ سيعاد بتاريخ 12 كانون الاول 2017.

القضية الجزائية تثبت الاحتيال
كانت القضية قد سلكت مسارا جزائيا قبل الدعوى الحقوقية، حيث تقدم المدعون في السابع من كانون الاول 2017 بشكوى بحق المدعى عليهم، وسجلت القضية في البداية بموضوع الاحتيال، قبل ان تنتقل بين الجهات القضائية المختصة وفقا لمراحل التقاضي.

وبعد عدة اجراءات واستئنافات، صدر عن محكمة استئناف عمان قرار بادانة المدعى عليهم الثلاثة بجرم الاحتيال بالاشتراك خلافا لاحكام المادتين 417 و76 من قانون العقوبات.

وقضت المحكمة الجزائية في حينه بالحبس مدة سنة واحدة لكل واحد من المدعى عليهم، اضافة الى الغرامة والرسوم، وقد اكتسب الحكم الدرجة القطعية.

واعتبرت محكمة التمييز في قرارها الحقوقي ان الحكم الجزائي القطعي شكل اساسا مهما في اثبات واقعة الاحتيال، حيث ثبت من خلاله ان المدعى عليهم اوهموا المدعين بوجود صور وفيديوهات للمدعية الثانية تتضمن، بحسب ما ورد في القضية، امور غير اخلاقية مع شخص اخر، وان تلك الصور يمكن نشرها في حال عدم دفع الاموال.

كما ثبت في القضية الجزائية، وفقا لما اورده قرار محكمة التمييز، ان المدعى عليهم اوهموا الضحايا بوجود دعوى مقامة ضد الشخص الذي قيل انه يمتلك الصور، وان هناك حاجة الى دفع مبالغ للمحكمة والمحامي وجهة امنية، وهو ما دفع المدعين الى تسليم مبالغ مالية وصلت الى نحو 130 الف دينار اردني.

واعتبرت محكمة التمييز ان هذا المبلغ يمثل ضررا ماديا لحق بالمدعيين الاول والثانية نتيجة ارتكاب المدعى عليهم جرم الاحتيال، وان مسؤولية المدعى عليهم عن هذا الضرر قائمة بالتكافل والتضامن وفقا لاحكام القانون المدني.

من 141 الفا الى 136 الف دينار.. لماذا تدخلت محكمة التمييز؟
بعد انتهاء القضية الجزائية، اقام المدعون الدعوى الحقوقية رقم 3114/2024 للمطالبة بمبلغ قدره 137 الف دينار مقدرا لغايات الرسوم، اضافة الى الفائدة القانونية والتعويض عن الاضرار المادية والمعنوية.

وبعد استكمال المحاكمة، اصدرت المحكمة الابتدائية قرارها بتاريخ 8 كانون الاول 2024، وقضت بالزام المدعى عليهم بالتكافل والتضامن بدفع مبلغ 137 الف دينار للمدعيين الاول والثانية، اضافة الى مبلغ 5 الاف دينار لكل واحد منهما عن الضرر المعنوي، ورد دعوى المدعية الثالثة لعدم الاثبات.

كما قضت المحكمة بالرسوم والمصاريف واتعاب المحاماة والفائدة القانونية بنسبة 9 بالمئة من تاريخ المطالبة وحتى السداد التام.

ولم يقتنع المدعى عليهم بالحكم، فتقدموا باستئناف لدى محكمة استئناف عمان. وبتاريخ 25 كانون الثاني 2026، قررت محكمة استئناف عمان قبول الاستئناف موضوعا وفسخ الحكم السابق من حيث قيمة المبلغ المحكوم به، والحكم مجددا بالزام المدعى عليهم بالتكافل والتضامن بدفع مبلغ 141 الف دينار للمدعيين الاول والثانية بدل التعويض عن الضرر المادي والمعنوي.

كما قررت المحكمة رد الدعوى بما زاد على ذلك، والزام المدعى عليهم بالرسوم والمصاريف ودفع مبلغ 1500 دينار بدل اتعاب محاماة عن مرحلتي التقاضي، مع الفائدة القانونية من تاريخ اقامة الدعوى وحتى السداد التام، وتاييد الحكم فيما عدا ذلك.

لكن المدعى عليهم لم يرتضوا بقرار الاستئناف، فتقدموا بالطعن امام محكمة التمييز بتاريخ 23 شباط 2026 ضمن المدة القانونية.

ودفع وكيلهم بعدد من الاسباب، من بينها الاعتراض على تقرير الخبرة، والقول بوجود تناقضات بين شهادات الشهود، والاعتراض على طبيعة المبالغ التي قيل انها دفعت، وما اذا كانت بعض الدفعات بالدينار الاردني او بالدولار الامريكي، اضافة الى الدفع بعدم وجود بينات كافية على الضرر المعنوي، والقول بان تقدير التعويض كان مبالغا فيه.

كما تمسك الدفاع بان بعض المبالغ لم يسلمها المدعي الاول بصورة مباشرة الى المدعى عليهم، وان هناك اختلافا في اقوال الشهود حول التحويلات والمبالغ التي دفعت نقدا، اضافة الى الاعتراض على شهادة وكيل المدعين الذي قدم شهادته في الدعوى.

وطلب وكيل المدعى عليهم في ختام الطعن قبول التمييز شكلا ونقض الحكم المطعون فيه واعادة الاوراق الى محكمة الموضوع.

المحكمة تعيد احتساب التعويض
وبعد دراسة ملف الدعوى واسباب الطعن، لم تاخذ محكمة التمييز بكل ما ورد في اسباب الطعن، واعتبرت ان محكمة الاستئناف توصلت بصورة صحيحة الى ثبوت مسؤولية المدعى عليهم عن الضرر المادي والمعنوي، مستندة في ذلك بشكل اساسي الى الحكم الجزائي القطعي والبينات التي قدمت في الدعوى.

واشارت محكمة التمييز الى ان محكمة الاستئناف، باعتبارها محكمة موضوع، استندت الى الادلة القانونية المتوفرة في الملف، ومن بينها الحكم الجزائي القطعي الذي اثبت واقعة الاحتيال والمبالغ التي تم الاستيلاء عليها نتيجة الجريمة.

كما تناول قرار محكمة التمييز تقرير الخبرة الذي اجرته محكمة الاستئناف، حيث قدر الخبراء التعويض عن الضرر المعنوي الذي لحق بالمدعي الاول بمبلغ 2500 دينار، فيما قدر للمدعية الثانية مبلغ 3500 دينار، وبمجموع 6 الاف دينار.

اما بالنسبة الى الضرر المادي، فقد قدر الخبراء التعويض للمدعي الاول بمبلغ 79525 دينارا، وللمدعية الثانية بمبلغ 62922.7 دينار.

الا ان محكمة الاستئناف لم تعتمد هذه الارقام الخاصة بالضرر المادي، وانما اخذت بالمبلغ الثابت في الحكم الجزائي، والبالغ 130 الف دينار باعتباره قيمة الاموال التي استولى عليها المدعى عليهم نتيجة الاحتيال.

كما اخذت محكمة الاستئناف بمبلغ 6 الاف دينار كتعويض عن الضرر المعنوي للمدعيين الاول والثانية، وهو المبلغ الذي قدره الخبراء، ليصبح مجموع التعويض المستحق وفقا لما انتهت اليه محكمة التمييز 136 الف دينار.

وهنا وجدت محكمة التمييز ان محكمة استئناف عمان وقعت في خطا حسابي عندما حكمت بمبلغ 141 الف دينار، رغم ان مجموع مبلغ الضرر المادي البالغ 130 الف دينار، والضرر المعنوي البالغ 6 الاف دينار، يساوي 136 الف دينار فقط.

واكدت محكمة التمييز ان الخطا الذي وقع في حكم الاستئناف كان في قيمة المبلغ المحكوم به وليس في اساس المسؤولية القانونية، ولذلك قررت نقض الحكم المميز في حدود قيمة المبلغ فقط.

الحكم النهائي: 136 الف دينار والفائدة حتى السداد
وبناء على ذلك، قررت محكمة التمييز قبول الطعن التمييزي موضوعا ونقض حكم محكمة استئناف عمان من حيث قيمة المبلغ المحكوم به.

ولكون القضية صالحة للفصل فيها، قررت المحكمة الحكم مجددا بالزام المدعى عليهم الثلاثة بالتكافل والتضامن باداء مبلغ 136 الف دينار اردني للمدعيين الاول والثانية، بواقع 130 الف دينار عن الضرر المادي و6 الاف دينار عن الضرر المعنوي.

كما قررت المحكمة تاييد الحكم المميز فيما عدا ذلك، وفقا لاحكام المادة 197/4 من قانون اصول المحاكمات المدنية، واعادة الاوراق الى مصدرها.

وصدر قرار محكمة التمييز بتاريخ 16 تموز 2026، ليضع حدا للمرحلة الحقوقية من القضية، بعد سلسلة طويلة من الاجراءات القضائية التي بدات بشكوى احتيال عام 2017، ثم قضية جزائية انتهت بادانة المتهمين، وصولا الى الدعوى الحقوقية التي انتهت بتثبيت حق المدعيين في التعويض عن الاضرار المادية والمعنوية.

وتظهر وقائع الحكم ان القضية لم تكن مجرد خلاف مالي، بل ارتبطت بخداع الضحايا عبر استخدام ادعاءات تتعلق بصور وفيديوهات ووجود جهات امنية سرية وتامينات مالية، وهي الوقائع التي ثبتت مسؤولية المدعى عليهم عنها بموجب الحكم الجزائي القطعي، قبل ان تحدد المحكمة الحقوقية قيمة التعويض المستحق.

وبذلك اصبح المبلغ النهائي المحكوم به 136 الف دينار بدلا من 141 الف دينار التي قررتها محكمة الاستئناف، مع بقاء باقي ما ورد في الحكم من اثار قانونية ورسوم ومصاريف واتعاب محاماة وفائدة قانونية وفق ما قررته المحاكم في مراحل التقاضي.

 

 

قد يعجبك ايضا