تراجع الجدوى يجبر مزارعي إربد على التخلي عن أراضيهم

6٬030

صوت البلد للأنباء –

لم يعد تراجع المساحات الخضراء في محافظة إربد مجرد أثر جانبي لزحف الأبنية الإسمنتية والنمو السكاني المتسارع، بل أصبح في جوهره انعكاسا لانهيار الجدوى الاقتصادية للزراعة، بعدما كانت الأراضي لعقود طويلة مصدر دخل رئيسي ومستقر لأصحابها، وأساسا لنمط الحياة الريفية والإنتاج الغذائي المحلي.

وحسب بيانات زراعية وتقديرات غير رسمية، تراجعت نسبة الأراضي المزروعة في محافظة إربد خلال العقدين الماضيين بشكل ملحوظ، حيث فقدت المحافظة مئات الدونمات من الأراضي الزراعية الخصبة نتيجة تغيير صفة استعمالها إلى سكنية أو تجارية، وهو تغيير ارتبط ارتباطًا مباشرًا بانخفاض الجدوى الاقتصادية للزراعة مقارنة بالبناء أو البيع.
كلف مرتفعة وأرباح متآكلة
يرى عدد من المزارعين وملّاك الأراضي الزراعية أن الزراعة كانت تشكل نشاطا اقتصاديا مربحا نسبيا، إذ كان المزارع قادرا على تغطية كلف الإنتاج وتحقيق فائض معقول يؤمّن له حياة كريمة مع انخفاض أسعار مستلزمات الزراعة وتوفر المياه بأسعار مناسبة واستقرار الأسواق، مشيرين إلى أن هذه العوامل جميعها جعلت من استثمار الأرض زراعيا خيارا مجديا اقتصاديا.
إلا أن هذا الواقع تغير تدريجيا ثم بشكل متسارع خلال السنوات الأخيرة، إذ شهد القطاع الزراعي ارتفاعا غير مسبوق في كلف الإنتاج، شمل أسعار الأسمدة والمبيدات والبذور وأجور العمالة وكلف الري والطاقة والنقل والتخزين والتسويق إلى جانب ارتفاع أسعار المعدات الزراعية وقطع الغيار، في وقت لم ترتفع فيه أسعار المنتجات الزراعية بما يتناسب مع هذه التكاليف، ما أدى إلى تآكل الأرباح وتحول الزراعة من نشاط اقتصادي منتج إلى عبء مالي ثقيل على كاهل المزارعين.
يقول المواطن أحمد الشياب: “أمام هذا الاختلال الحاد في المعادلة الاقتصادية للزراعة، لم يعد المزارع قادرا على الاستمرار دون خسائر، بل أصبح في كثير من الحالات يعمل بخسارة صريحة، ما جعل الاستثمار في الزراعة خيارا غير مجدٍ اقتصاديا مقارنة بخيارات أخرى مثل البناء على الأرض أو بيعها لمستثمرين ومتعهدين عقاريين، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الأراضي نتيجة الطلب المتزايد على السكن والتوسع العمراني”.
ويؤكد أن الأرض التي كانت يوما مصدر رزق ثابت أصبحت اليوم عبئا ماليا، مشيرا إلى أن انخفاض المساحات المزروعة أدى إلى تراجع الإنتاج السنوي، وأن نقص المياه وارتفاع التكاليف وتدهور التربة بفعل البناء المحيط بالأراضي الزراعية جعل الزراعة أقل جدوى من الناحية الاقتصادية.
ويضيف الشياب “في الماضي القريب كانت الزراعة في إربد نشاطا يحقق الاكتفاء والرفاه، فالمزارع كان سيد أرضه يزرع ويحصد ويحقق فائضاً يؤمن له حياة كريمة في ظل استقرار أسعار المستلزمات وتوفر المياه”، موضحا “أما اليوم، فقد انقلبت الآية اذ يواجه القطاع ارتفاعاً جنونياً في كلف الإنتاج في الوقت الذي بقيت فيه أسعار المنتجات الزراعية تراوح مكانها أو تخضع لتقلبات السوق التي لا ترحم ما أدى إلى تآكل الهوامش الربحية وتحول الاستثمار في الأرض إلى مغامرة غير محسوبة العواقب”.
ويؤكد عدد من المزارعين أن الزائر لمناطق ناطفة والصريح وحكما والرمثا والعديد من قرى غرب وجنوب إربد يرى بوضوح مساحات واسعة كانت تزرع بالقمح والشعير والخضراوات الموسمية وأشجار الزيتون لتحل مكانها أحياء سكنية وطرق ومشاريع خدمية، مؤكدين أن هذا التراجع الزراعي سببه عزوف أصحاب الأراضي عن الزراعة بسبب ضعف الجدوى الاقتصادية.
ويوضح المزارع محمود شطناوي أن تأثير هذه التحولات لم يقتصر على فقدان المساحات الزراعية فحسب، بل امتد ليطال بنية القطاع الزراعي بالكامل، اذ أن تراجع الجدوى الاقتصادية للزراعة أدى إلى تراجع العمالة الزراعية وانخفاض كميات الإنتاج المحلي وتغير نمط الحياة في القرى التي تحولت من مجتمعات زراعية منتجة إلى مناطق سكنية مكتظة، مؤكدا أن الفجوة الكبيرة بين كلف الإنتاج الزراعي والعائد المالي، مقارنة بالقيمة المرتفعة للأرض عند بيعها أو استثمارها في البناء، جعلت خيار التخلي عن الزراعة خيارا شبه حتمي لكثير منهم، خاصة في ظل غياب دعم حكومي كاف أو سياسات اقتصادية تحمي دخل المزارع وتضمن له الاستمرارية.
ويضيف شطناوي أن الضغط العمراني ترافق مع ضغط متزايد على مصادر المياه، حيث أصبحت الأولوية للاستخدام المنزلي على حساب الري الزراعي، ما زاد من كلف الإنتاج وضعف الإنتاجية وجودة المحاصيل، ودفع مزيدا من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التحول إلى محاصيل أقل استهلاكا للمياه، أو الخروج من القطاع الزراعي نهائيا.
تحديات ديموغرافية
مع تجاوز سكان إربد حاجز المليوني نسمة كواحدة من أكثر محافظات المملكة كثافة سكانية، ارتفع الطلب على السكن بشكل غير مسبوق، مما رفع قيمة الأراضي “سكنياً” وخفضها “زراعياً” من حيث الجدوى.
يقول شطناوي “الضغط العمراني لم يلتهم المساحات فحسب بل زاحم الزراعة على شريان حياته “المياه”، إذ باتت الأولوية للاستخدام المنزلي،” محذرا من تغير هوية القرى من مجتمعات منتجة إلى ضواحٍ سكنية مكتظة.
ويقول المزارع أحمد الدردور الذي يملك أرضا مزروعة بالزيتون في الرمثا، إن الاستمرار في الزراعة أصبح عبئا ماليا في ظل ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات وكلف النقل والتسويق، مقابل ضعف الدعم الحكومي، موضحا أن العروض المتكررة من المستثمرين لشراء الأرض تجعل قرار البيع مغريا، حتى لمن لديهم ارتباط عاطفي قوي بالأرض التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، لأن الحاجة الاقتصادية باتت أقوى من الارتباط بالأرض.
ويؤكد أصحاب أراض أن معركة البقاء لا تقتصر على الانتماء فقط، بل تتعدى ذلك لتصبح معركة أرقام وموازنات، فإعادة الهيبة للجدوى الزراعية تتطلب تحركا جديا للسياسات الاقتصادية وإلا فإن المساحات الزراعية ستتقلص يوما بعد يوم في مواجهة الزحف العمراني.
تهديد للأمن الغذائي
ويرى مختصون في الشأن الزراعي أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في التوسع العمراني أو ضعف التخطيط، بل في انهيار المنظومة الاقتصادية التي تجعل الزراعة نشاطًا مربحا ومستداما، محذرين من أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى تراجع الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الأساسية، وارتفاع أسعار الغذاء، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، ما يهدد الأمن الغذائي الوطني ويضعف الاقتصاد المحلي.
ويحذر الرئيس السابق لفرع نقابة المهندسين الزراعيين في إربد، المهندس ماجد عبندة، من أن التوسع العمراني غير المنظم، إلى جانب ضعف الجدوى الاقتصادية للزراعة، أدى إلى فقدان مساحات خصبة عالية الإنتاجية كانت تشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي المحلي، مشيرا إلى أن محافظة إربد تمتلك ميزة تنافسية زراعية مهمة تتمثل في جودة التربة وتنوع المناخ وتراكم الخبرات الزراعية، إلا أن هذه الميزة تتآكل تدريجيًا في ظل غياب سياسات اقتصادية وتشريعية تحمي دخل المزارع وتعيد للزراعة مكانتها كقطاع اقتصادي منتج.
ويبين أن التخطيط الحضري الحالي يركز في كثير من الأحيان على تلبية الطلب السكني الآني دون مراعاة الأبعاد الزراعية والاقتصادية والبيئية طويلة المدى، محذرا من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من التراجع في الإنتاج الزراعي المحلي، وارتفاع كلف الغذاء، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، بما يهدد الأمن الغذائي الوطني.
ويضيف عبندة أن نظام استعمالات الأراضي صدر متأخرا عام 2007، بعد أن كانت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية قائمة ومستغلة، ما ساهم في تعقيد المشهد التنظيمي لاحقًا، كما أشار إلى أن الحكومة نفسها أسهمت في تقليص الرقعة الزراعية من خلال إقامة مشاريع إسكانية وخدمية داخل الأراضي الزراعية، مثل مشروع “سكن كريم”، ما غير طبيعة استخدام الأرض وأضعف الزراعة.
وتستمر محافظة إربد في إنتاج القمح والشعير والخضراوات والفواكه والزيتون، إلى جانب تربية المواشي والدواجن، إلا أن هذا الإنتاج بات مهددا بالتراجع في ظل استمرار ضعف الجدوى الاقتصادية للزراعة، وارتفاع كلف الإنتاج، وتزايد الضغوط العمرانية والمناخية.
وتسعى وزارة الزراعة وعدد من البلديات إلى حماية الأراضي الزراعية من خلال تحديد مناطق زراعية محمية، وتشجيع الزراعة الذكية والزراعة العضوية، وتقديم تسهيلات مالية وقروض للمزارعين، إلا أن هذه الجهود تبقى غير كافية ما لم تربط بسياسات اقتصادية شاملة تعالج جوهر المشكلة، وهو ضعف ربحية الزراعة وعدم قدرتها على منافسة قطاعات أخرى مثل العقار والبناء.
وفي هذا السياق، تظهر مبادرات شبابية تعتمد على الزراعة العمودية واستغلال المساحات الصغيرة داخل المدن، وتسعى إلى دمج الزراعة في الحياة الحضرية، إلا أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، تبقى حلولا جزئية ومحدودة التأثير، ما لم تعالج الأسباب الاقتصادية العميقة لتراجع الزراعة التقليدية.
يقول المهندس أحمد الخطيب إن الحل لا يكمن فقط في ضبط التوسع العمراني أو حماية الأراضي الزراعية من التعديات، بل في إعادة بناء المنظومة الاقتصادية للقطاع الزراعي، من خلال تخفيض كلف الإنتاج، وتوفير مياه الري بأسعار مناسبة، وتحسين التسويق الزراعي، وتشجيع الاستثمار الزراعي، وتقديم حوافز مالية وضريبية للمزارعين، بحيث يصبح خيار الزراعة مجديا اقتصاديا وقادرا على منافسة البناء أو البيع.
من جانبه يؤكد مدير زراعة محافظة إربد الدكتور عبد الحافظ أبوعرابي أن المديرية تتابع ملف حماية الأراضي الزراعية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، مشيرا إلى أن تغيير صفة استعمال الأراضي يخضع لإجراءات قانونية وتنظيمية صارمة، ولا يتم إلا في أضيق الحدود وللضرورة القصوى، مؤكدا في الوقت ذاته أن المديرية تعمل على دعم المزارعين عبر برامج الإرشاد الزراعي، وتحسين كفاءة استخدام المياه، وتشجيع الزراعات ذات القيمة المضافة، والزراعة المحمية، بهدف رفع الإنتاجية وتحسين دخل المزارع.
ويبين أن المديرية تسعى بالتعاون مع وزارة الزراعة إلى تعزيز استدامة القطاع الزراعي من خلال ربط الدعم الحكومي بتحسين الربحية وتحسين التسويق الزراعي وتوسيع فرص الوصول إلى الأسواق بما يساهم في تعزيز صمود المزارعين والحد من خروجهم من القطاع.
ويؤكد أبوعرابي ضرورة تحقيق توازن حقيقي بين متطلبات التنمية العمرانية وحماية الأراضي الزراعية، مشددا على أن حماية الأرض الزراعية لا يمكن أن تتحقق دون ضمان جدوى اقتصادية حقيقية للزراعة، لأن الأرض إذا لم تعد مصدر رزق كريم ستتحول حتما إلى سلعة للبناء أو البيع مهما كانت القوانين والتشريعات.
وتعد محافظة إربد من أهم المحافظات الزراعية في المملكة، اذ تشتهر بخصوبة أراضيها وقدرتها على إنتاج مختلف المحاصيل.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن إجمالي مساحة الأراضي الزراعية في المحافظة يبلغ نحو 1،392،639 دونما، منها حوالي 496،342 دونما تستغل فعليا للزراعة.
ويأتي لواء الرمثا في المقدمة، إذ تصل مساحته الزراعية المستغلة إلى نحو 125،229 دونما، فيما تتوزع باقي الأراضي الزراعية على بقية الألوية.

قد يعجبك ايضا