صوت البلد للأنباء –
في مقال مطول اتسم بالصراحة والجرأة، تناول الكاتب محمود واحدة من القضايا الاجتماعية الحساسة التي تمس تفاصيل الحياة اليومية داخل البيوت والمجمعات السكنية، مستحضرا حديثا نبويا شريفا جاء فيه: “الحمو الموت”، ومفسرا دلالاته الاجتماعية في سياق العلاقات المعاصرة داخل البيوت والعلاقات بين الجيران ومقدمي الخدمات.
ويرى الدباس ان هذا الحديث النبوي لا يقتصر على المعنى الحرفي، بل يحمل تحذيرا عميقا من خطورة التساهل في الخلوة والاختلاط غير المنضبط داخل البيوت، خصوصا مع اقارب الزوج او الاشخاص الذين يملكون قدرة على الدخول والخروج دون اثارة الشك.
ويشرح الكاتب ان “الحمو” في اللغة هو قريب الزوج، مثل الاخ والعم وابن الاخ، مشيرا الى ان الحديث لا يشمل اب الزوج لحرمة المصاهرة الدائمة. ويؤكد ان جوهر التحذير يتعلق بغياب الريبة والشك، ما يجعل الخطر اكبر حين يكون الشخص محل ثقة اجتماعية.
ثغرة الثقة داخل البيوت.. حين يتحول “الاطمئنان” الى باب مفتوح
ينتقل الدباس في مقاله من التأصيل الديني الى سرد قصة يصفها بأنها واقعية رواها له صديق مقرب، حدثت في عمارة سكنية حديثة، عاش فيها الجيران تقريبا في فترة واحدة، ما خلق حالة من الالفة والثقة المتبادلة بينهم.
وبحسب الرواية التي اوردها الكاتب، تم تعيين حارس للعمارة بتوصية من حارس مجاور، وسرعان ما اصبح جزءا من الحياة اليومية للسكان، بل ان بعض العائلات بدأت تعتمد عليه في امور متعددة تتعلق بالبيت، من اعمال بسيطة الى تسليم واستلام اغراض، خاصة في اوقات غياب اصحاب البيوت. هذه العلاقة بدأت في اطارها الطبيعي، حيث ينظر للجيران والحارس على انهم “اهل ثقة”، ومع مرور الوقت توسعت دائرة التعاملات لتصبح اعمق من مجرد خدمات مهنية.
“رجل فزعة”.. كيف تصنع العادة حدودا غير مرئية داخل المجتمع؟
بحسب ما ورد في القصة، فإن بعض السكان كانوا يصفون الحارس بانه “رجل فزعة”، في اشارة الى مساعدته المستمرة لهم، حتى في الامور المنزلية التي تتطلب جهدا بدنيا او متابعة سريعة، خصوصا في ظل السفر او غياب الازواج.
ويذكر الكاتب ان هذا النوع من العلاقات الاجتماعية، رغم طابعه العملي، قد يخلق ما يسميه “حدودا رخوة”، اي حدود غير واضحة بين الخدمة المهنية والخصوصية المنزلية، ما يجعل الدخول والخروج امرا طبيعيا وغير مثير للانتباه.
ويضيف ان بعض الجيران كانوا يطمئنون تماما لوجود الحارس داخل العمارة، معتبرين ان سنوات العمل والمعرفة كافية لالغاء اي احتمال للريبة او الشك.
لحظة الصدمة.. حين انهارت صورة الثقة
في الرواية التي اوردها الدباس، يذكر ان احد الجيران عاد إلى بيته في أحد الايام.. على غير موعده مصادفة.. ودون أي ترتيب.. ووجد الباب مفتوحا.. فعرف أن الحارس داخل البيت.. فدخل دون أي ريبة أو شك.. ونظر في المدخل والصالون فلم يجد الزوجة.. وعندما تقدم إلى داخل البيت رأى ما لم يكن يتوقع من زوجته الشريفة.. والحارس الامين..
يقول صديق الكاتب: “ما كان من ذلك الجار إلا أن ضرب الحارس والزوجة بأداة حادة.. إلا انهما لم يفارقا الحياة.. وتم تطليق الزوجة”.
وتابع: “وبعد التحقيق مع ذلك الثعلب الماكر.. تبين أنه يفعل الفعل ذاته مع أكثر من مرأة في العمارة.. وأن ما جعله يتجرأ ويقوم بذلك.. هو حديثه المتكرر معهن.. وفي أي وقت.. وتطور الحديث من صيغة الامر والطلب.. إلى السماح له بالأحاديث الجانبية عن الجار الفلاني.. والجارة الفلانية.. وأبناء فلان.. وعن السيارات في الحارة والمشاكل.. وبعد أن كان يضع الأغراض عند باب الشقة ويغادر.. دون أن يرى أحد.. تطور الأمر إلى ادخالها الى المطبخ.. وفك وتركيب اسطوانات الغاز.. ورفع الشنط على خزائن غرف النوم.. وتجرئه مرة بعد مرة بالتعليقات المعسولة على بعض محتويات غرف النوم.. من عطور.. وادوات تجميل وكريمات.. وحتى بعض الغيارات التي قد تغفل عن ضبها الزوجة.. وما الى ذلك”.
المشكلة ليست في الاشخاص فقط بل في غياب الحدود
في ختام مقاله، يؤكد محمود الدباس ان الهدف من طرح هذه القصة ليس الدعوة الى الاستغناء عن الحراس او مقدمي الخدمات، ولا خلق حالة من الشك داخل المجتمع، بل التنبيه الى ضرورة وضع حدود واضحة وصارمة في العلاقات اليومية داخل البيوت.
ويشدد على ان الخطر لا يكمن في الخدمة بحد ذاتها، بل في غياب الضوابط التي تحكمها، سواء في طريقة التعامل او في طبيعة الدخول الى البيوت او في مستوى الحوار والكلام.
ويضيف ان من اهم الاشكاليات الاجتماعية هي تحويل الثقة المطلقة الى بديل عن الحذر، ما قد يفتح الباب امام استغلال غير مقصود في كثير من الحالات.
“احرص ولا تخون”.. خلاصة الرسالة
اختتم الكاتب مقاله بعبارة تلخص رؤيته بالكامل: “احرص ولا تخون”، في اشارة الى ضرورة الجمع بين الثقة والوعي، وعدم الانتقال من حسن الظن الى انعدام الحذر الكامل.
ويرى ان المجتمع بحاجة الى توازن دقيق، يحفظ العلاقات الانسانية من جهة، ويحمي خصوصية البيوت من جهة اخرى، بعيدا عن المبالغة في الشك او التهاون في الحدود.
وبينما يظل النص في جوهره طرحا اجتماعيا تحذيريا، الا انه يعكس نقاشا اوسع حول طبيعة العلاقات داخل البيوت الحديثة، وحدود الثقة في زمن تتداخل فيه الادوار والمساحات بشكل متسارع.