صوت البلد للأنباء –
كتب: ليث الفراية
في هذا الشرق الذي تعب من كثرة الوجوه المتشابهة، ومن الأصوات التي ترتفع بلا أثر، تبقى هناك أسماء لا تحتاج إلى تعريف، لأنها ببساطة تُعرَف من حضورها، ومن أثرها العميق، ومن تلك المساحة الواسعة التي تتركها في قلوب الناس دون أن تطلب شيئًا بالمقابل ومن بين هذه الأسماء، يقف رجل الأعمال الشيخ نور الدين المحاميد، لا كرجل عادي، بل كحالة إنسانية متكاملة، عنوانها الكرم، ومضمونها الوفاء، وجوهرها أصالة عربية نادرة، لا تتكرر كثيرًا في زمنٍ أصبحت فيه القيم عرضة للتآكل والتبدل فهو من أولئك الذين لا يمرّون في حياة الناس مرورًا عابرًا، بل يتركون أثرًا يشبه الطمأنينة، ويصنعون حضورًا يظل راسخًا حتى في غيابهم.
ليس من السهل أن تكتب عن رجلٍ يشبه البدايات الأولى للرجولة، حيث لا تصنّع، ولا حسابات ضيقة، ولا تردد في الوقوف إلى جانب الآخرين، مهما كانت الظروف حيث نور الدين المحاميد من أولئك الذين لا يتعاملون مع الناس من باب المجاملة أو المصلحة، بل من باب القناعة العميقة بأن الإنسان للإنسان، وأن الكرامة لا تُجزّأ، وأن الوقوف مع الناس ليس خيارًا يمكن تأجيله أو التهرب منه، بل هو التزام أخلاقي ثابت فهذه القناعة لم تكن يومًا مجرد فكرة، بل تحولت إلى سلوك يومي، وممارسة حقيقية، يلمسها كل من اقترب منه أو احتاج إليه، حيث يجد فيه ذلك السند الذي لا يتأخر، وذلك الصوت الذي لا يتردد في قول الحق.
هو رجلٌ لا يُعرّف بما يملك، بل بما يُعطي، ولا يُقاس بحجم حضوره الإعلامي، بل بعمق حضوره الإنساني حيث بيته ليس عنوانًا جغرافيًا فحسب، بل حالة إنسانية مفتوحة، يعرفها كل من طرق بابه، وكل من لجأ إليه في لحظة ضيق، وكل من وجد فيه ملاذًا حين ضاقت به الخيارات. هناك، لا تُطرح الأسئلة الثقيلة، ولا تُوضع الحواجز، بل تُفتح الأبواب، وتُمدّ الأيادي، ويُقال لكل قادم“تفضل أنت بين أهلك” وهذه ليست مجرد عبارة تُقال، بل ثقافة متجذرة، ونهج حياة لم يتغيّر رغم كل ما تغيّر حوله.
وفي امتدادٍ طبيعي لهذا الحضور الإنساني، برزت بصماته الواضحة في العمل الاجتماعي، حيث لم يكن يومًا بعيدًا عن قضايا الناس وهمومهم، بل كان حاضرًا في تفاصيلها الدقيقة حيث يساند، ويدعم، ويتدخل حين يلزم، ويقدّم ما يستطيع دون ضجيج أو استعراض. كثير من المبادرات التي وُلدت في صمت، كان له فيها أثر، وكثير من الأيادي التي امتدت للخير، كان هو أحد أسباب وصولها إلى مستحقيها فهو لا يبحث عن دورٍ يُذكر، ولا عن اسمٍ يُكتب، بل يكتفي بأن يكون جزءًا من الفعل، وأن يترك الأثر يتحدث عنه.
أما في الجانب الرياضي، فقد كان له حضور لا يقل أهمية، حيث أدرك مبكرًا أن الرياضة ليست مجرد منافسة، بل مساحة لبناء الإنسان، واحتضان الشباب، وتوجيه الطاقات نحو ما هو إيجابي لذلك، لم يتردد في دعم الأنشطة الرياضية، والوقوف إلى جانب الفرق واللاعبين، والمساهمة في خلق بيئة تشجع على الالتزام والانتماء حيث دعمه لم يكن شكليًا، بل كان نابعًا من إيمان حقيقي بدور الرياضة في المجتمع، ومن حرصه على أن يرى جيلًا شابًا يمتلك الفرصة، ويجد من يقف إلى جانبه.
وفي زمنٍ أصبح فيه العطاء مشروطًا، والمواقف تُحسب بدقة، يظل هذا الرجل خارج كل تلك الحسابات، لأنه ببساطة لا يجيد لغة المصالح الضيقة، بل يجيد لغة الناس، لغة البساطة الصادقة التي لا تحتاج إلى تفسير فهو يقف حيث يجب أن يقف، دون أن يلتفت لما قد يترتب على ذلك، لأن قناعته راسخة بأن المواقف هي التي تصنع الرجال، وأن القيمة الحقيقية لأي إنسان تُقاس بما يقدّمه، لا بما يقوله.
أما الأردن، فقصته معه ليست علاقة عابرة، ولا محطة مؤقتة، بل هي حالة عشق صادقة ومتجذرة حيث أحب هذا الوطن كما يُحب الإنسان بيته الأول، وانتمى إليه كما ينتمي الجذر إلى الأرض، فكان حضوره فيه حضور المحب الصادق، لا الضيف العابر فهو يرى في الأردن نموذجًا للاستقرار والكرامة، ويجد في العائلة الهاشمية رمزًا للوحدة والشرعية، فانعكس ذلك في مواقفه، وفي طريقة تعامله، وفي حرصه الدائم على أن يكون جزءًا من هذا المشهد الوطني الذي يعتز به.
نور الدين المحاميد لا يسعى إلى الأضواء، لكنها تلحق به، ولا يطلب التقدير، لكنه يُمنح له احترامًا لما هو عليه، لا لما يقال عنه حيث رجلٌ تُدرك قيمته من خلال الآخرين، من خلال تلك القصص التي تُروى عنه في المجالس، ومن خلال دعوات الناس التي تسبقه، ومن خلال ذلك الإجماع الصامت على أنه “نِعم الرجل” دون مبالغة أو تكلّف.
وفي المحصلة، نحن لا نتحدث عن شخصية عابرة، بل عن امتداد حقيقي لصورة الرجل العربي الأصيل، الذي لم تُفسده التحولات، ولم تغيّره الظروف، وبقي كما هو ثابتًا على مبادئه، صادقًا في مواقفه، كريمًا في عطائه، وفيًا في حضوره، حاضرًا حيث يجب أن يكون الرجال .
نور الدين المحاميد ليس مجرد اسم يُذكر، بل قيمة تُحترم، وسيرة تُروى، ونموذج نحن بأمسّ الحاجة لأن يتكرر في زمنٍ باتت فيه النماذج الحقيقية نادرة.
حفظه الله، وأدام عليه الصحة والعافية، ليبقى كما عرفه الناس بابًا لا يُغلق، ويدًا لا تتردد، وقلبًا لا يعرف إلا الخير.