أين الرقابة.. منطقة خطر في حقائب توصيل الطعام

8٬334

صوت البلد للأنباء –

قطة داخل حقيبة توصيل أمام منزل السائق في عمان؛ مشهدٌ غير مألوف بل وصادم، لكنه كان كافياً لطرح سؤالٍ أكبر: ماذا يُنقل حقاً داخل هذه الحقائب التي تدخل منازلنا يومياً؟

في ظل الاعتماد المتزايد على تطبيقات التوصيل لتأمين الاحتياجات اليومية من وجبات الطعام وصولاً إلى المنظفات انطلق هذا التحقيق لكشف مدى الالتزام بالمعايير الصحية، وبحث ما إذا كانت هذه الممارسات تشكل خطراً داهماً على صحة المستهلكين.

بداية القصة:

للتأكد من طبيعة ما يحدث، قام معد التحقيق بطلب مجموعة من الاحتياجات عبر أحد التطبيقات الذكية، شملت: (علبة منظفات، كيس طحين، وعبوة معكرونة).

وخلال أقل من عشرين دقيقة، وصل سائق التوصيل على دراجته النارية، يحمل حقيبة بدت مهترئة من الخارج.

وعند المعاينة، تبين أن المنظفات وُضعت في كيس منفصل، والمواد الغذائية في كيس آخر، إلا أن جميعها كانت “تتزاحم” داخل الحافظة ذاتها.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي الفصل الظاهري بالأكياس لتحقيق السلامة العامة، أم أن مجرد وجودها في حيّز واحد يشكل خطراً كيميائياً؟

وفقاً لتعليمات المؤسسة العامة للغذاء والدواء، يجب الالتزام بمعايير السلامة الصحية في نقل المواد الغذائية، بما يشمل نظافة وسيلة النقل والحافظة المستخدمة، لكن هذه التعليمات خلت من شكل توضيحي صريح لآلية الفصل بين المواد المتضادة داخل الحقيبة الواحدة، هذه التعليمات جاءت ردا على استفسارات

جولة ميدانية تكشف المستور:

على مدار قرابة الشهر، تم رصد عبر جولات ميدانية، واقع حقائب التوصيل في ساحات تجمع السائقين وأمام المطاعم والمحال التجارية، لترى الحقائب مترامية بين أرجل السائقين والمارة بمشهد يفتقر لأدنى أدوات الرقابة الصحية؛ فقد رصد معد التحقيق تداخلاً للمكونات، فضلاً عن وجود بقايا أوساخ.

بعض الحقائب وُضعت بجانب أدوات غير نظيفة، واحتوت أحياناً على بقايا طعام قديم وأغراض شخصية للسائقين.

وفي إحدى الحالات، وجدت الحقيبة داخل كراج منزل بجانب مخلفات وأدوات متسخة، مما يثير تساؤلات حادة حول بيئة تخزين هذه الحقائب ومدى انعكاسها على سلامة الغذاء.

في هذا السياق، تحذر المهندسة المتخصصة في سلامة وصحة الغذاء، دينا زعبلاوي من أن تخزين الحقيبة في أماكن غير نظيفة يؤدي إلى انتقال ملوثات مختلفة للحقيبة حتى قبل استخدامها في نقل الطلبات.

شهادات السائقين:

يروي إبراهيم (اسم مستعار)، وهو رب أسرة، تجربة مشابهة حين طلب مواد غذائية ومنظفات، ليتفاجأ بوجودها معاً، ويقول: “سألت السائق إن كانت الحقيبة تُستخدم لكل شيء، فأجاب: نعم، لكن كل غرض داخل كيسه الخاص”.

هل هذا الإجراء كافٍ؟

تؤكد زعبلاوي أن الفصل بالأكياس لا يمنع التلوث بالضرورة، خاصة في حال وجود مواد كيميائية طيارة مثل “الكلور” أو “الأمونيا”، والتي قد تتسرب روائحها أو جزيئاتها داخل الحقيبة، مما يؤدي إلى “تلوث غير مباشر” للمواد الغذائية.

من جانبه، يؤكد “حسن” (اسم مستعار)، وهو سائق توصيل، أنه يستخدم حقيبة واحدة لجميع أنواع الطلبات، مبرراً ذلك بأن طبيعة العمل على الدراجة لا تسمح بحمل أكثر من حقيبة.

وحول النظافة يقول: “أنظف الحقيبة فقط عندما ألاحظ اتساخها بشكل واضح، وذلك باستخدام الماء وقطعة قماش”.

“في إحدى المرات قامت إحدى ربات البيوت بطلب مواد تنظيف، وقمت بإيصالها على الفور، لأتلقى إشعارا على التطبيق بطلب جديد بعد نصف ساعة من الطلب الأول، وكان 3 وجبات شاورما، إلا أن الأخير رفض استلام طلبه لوجود روائح كريهة”، بحسب سائق التوصيل.

غياب الرقابة الصارمة

في تجربة أخرى، يشير محمد (اسم مستعار)، طالب جامعي يعمل في التوصيل بسيارته الخاصة، إلى أن تنظيف الحقيبة يتم “كل أسبوعين تقريباً” أو عند الحاجة الملحة بمبادرة شخصية، لافتاً إلى أن الشركات لا تفرض رقابة صارمة على نظافة الحقائب من الداخل، بقدر تركيزها على المظهر العام واللباس الرسمي للسائق.

وقدر السائق، حجم “الأوردرات” اليومية ما بين 10 إلى 12 أوردر، تشمل جميع المواد سواء أكانت غذائية وتموينية أو مواد تنظيف ليتم نقلها جميعا في نفس الحقيبة.

هنا تعقب زعبلاوي بأن عدم التنظيف المنتظم يؤدي إلى تراكم بكتيريا وملوثات مجهرية مع الاستخدام المتكرر، مما يزيد من احتمالية التلوث الميكروبي.

رد رسمي.. بلا أرقام!

المؤسسة العامة للغذاء والدواء، تؤكد في ردها، أنها تخاطب الجهات المعنية بشكل مستمر بضرورة التزام السائقين بالتعليمات الصحية، بما في ذلك حمل شهادة صحية سارية، موضحة أن عمليات التفتيش تتم بالتنسيق مع الإدارة الملكية لحماية البيئة.

المخاطر الصحية:

تحذر زعبلاوي من أن خلط الغذاء مع المنظفات يعد مخالفة خطيرة تندرج تحت بند “التلوث التبادلي”، والذي ينقسم إلى ثلاثة أنواع:

التلوث الكيميائي: نتيجة مواد كيميائية مثل الكلور والأمونيا.

التلوث الميكروبي: نتيجة نقل أغذية مختلفة دون فصل أو اتباع إجراءات نظافة كافية.

التلوث الفيزيائي: مثل الغبار أو بقايا البلاستيك أو أي أجسام غريبة.

وتؤكد أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى حالات تسمم أو تهيج صحي للمستهلك، حتى دون حدوث انسكاب مباشر للمواد.

مواصفات الحقيبة الآمنة

يجب أن تتوفر في حقيبة التوصيل الشروط التالية وفقاً لخبيرة التغذية:

الفصل التام: استخدام حقائب منفصلة لكل نوع، أو حقائب مزودة بفواصل محكمة تماماً.

العزل الحراري: عدم خلط الأطعمة الساخنة والباردة لتجنب “منطقة الخطر” التي تنشط فيها البكتيريا.

التكوين الثلاثي: طبقة خارجية عازلة ومقاومة للعوامل الجوية، طبقة وسطى لحفظ الحرارة، وطبقة داخلية ملساء سهلة التعقيم.

أسئلة بلا إجابات

مع توسع قطاع التوصيل في الأردن واعتماد شريحة واسعة من المواطنين عليه، تظل الحلقة الأضعف هي الرقابة المباشرة على “جوف” هذه الحقائب.

لتبقى الأسئلة قائمة: من يراقب ما يجري داخل الحقيبة المغلقة؟

هل تصل وجباتنا إلى موائدنا بمعايير صحية حقيقية، أم أن “سرعة التوصيل” باتت تُقدم على حساب “سلامة الإنسان”؟

قد يعجبك ايضا