صوت البلد للأنباء –
خاص
في قلب التحديات التي تحيط بالاقتصاد الأردني، تبرز بعض الصناعات المحلية بوصفها نماذج حقيقية للصمود والإنتاج، لا تعتمد على الضجيج، ولا تتكئ على الامتيازات، بل تمضي بثبات رغم كل ما يحيط بها من ظروف إقليمية ضاغطة وتعقيدات داخلية متراكمة.
هذه الصناعات لم تكن يومًا عبئًا على الاقتصاد، بل كانت على الدوام جزءًا من الحل، إذ ساهمت في توفير فرص العمل، وتعزيز الاكتفاء النسبي في عدد من القطاعات، ورفدت السوق المحلي بمنتجات أثبتت قدرتها على المنافسة من حيث الجودة والسعر، رغم التفاوت الكبير في كلف الإنتاج مقارنة بدول أخرى.
ومع ذلك، فإن هذه الصورة الإيجابية لا تخلو من تساؤلات عميقة، خاصة عندما نجد أن بعض هذه الصناعات لا تزال تعمل في بيئة غير مهيأة بالكامل للنمو، في ظل تحديات تتعلق بارتفاع كلف التشغيل، وصعوبة الوصول إلى أسواق جديدة، إلى جانب التأثر المباشر بما يشهده الإقليم من اضطرابات ألقت بظلالها على حركة التصدير وسلاسل التوريد.
لقد أثبتت هذه الصناعات أنها قادرة على الاستمرار، لكن الاستمرار وحده لم يعد كافيًا في هذه المرحلة فالمطلوب اليوم هو الانتقال من مرحلة “البقاء” إلى مرحلة “التوسع”، وهذا لن يتحقق دون وجود دعم أكثر وضوحًا وفعالية، يلامس احتياجات هذه القطاعات بشكل مباشر، ويأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل صناعة وتحدياتها.
ولا يخفى أن الحفاظ على هذه الصناعات المحلية والنهوض بها لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وطنية. فدعمها ليس مجرد مساعدة اقتصادية، بل حماية لمكونات أساسية في الاقتصاد الأردني من الانهيار أمام التحديات الإقليمية وضغوط السوق العالمية وفي هذا السياق، تقع على عاتق المؤسسات الرسمية الممثلة للقطاع الصناعي، وبالدرجة الأولى غرفة صناعة عمّان، مسؤولية واضحة وحقيقية في وضع برامج دعم واضحة، تسهّل على الصناعيين الاستمرار، وتتيح لهم فرص النمو والتوسع، بدل أن يظلوا في دائرة البقاء بصعوبة.
كما أن دور الغرفة يجب أن يتجاوز التمثيل الرسمي ليصل إلى ميدان العمل، حيث يمكنها خلق آليات متكاملة للدعم، تشمل التوجيه، والتسهيلات المالية، وربط الصناعات المحلية بالأسواق الإقليمية والدولية، بما يضمن استدامتها فالنجاح الاقتصادي لا يتحقق بالتصريحات وحدها، بل بالخطوات العملية المدروسة التي تحمي الصناعات الوطنية من الانهيار، وتؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا لهذه القطاعات الحيوية.
إن الحديث هنا لا يأتي من باب النقد السلبي، بل من منطلق الحرص على قطاع أثبت وطنيته الاقتصادية في أصعب الظروف، وقدم نموذجًا يستحق أن يُحتذى، لا أن يُترك ليواجه التحديات منفردًا وفي ظل ما يشهده الإقليم من تحولات متسارعة، تصبح هذه الصناعات أكثر أهمية، ليس فقط كرافد اقتصادي، بل كعنصر استقرار، يعزز قدرة الدولة على التكيف مع المتغيرات، ويقلل من الاعتماد على الخارج في قطاعات حيوية.
ختامًا، تبقى بعض الصناعات المحلية قصة نجاح تستحق أن تُروى، لكن الأهم من روايتها، هو استكمالها، عبر بيئة داعمة توازي حجم الجهد المبذول، وتدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الداخل، حيث تُصنع القيمة، ويُبنى الاقتصاد على أسس أكثر صلابة.