صوت البلد للأنباء –
وثائق رسمية صادرة عن الكرملين، تكشف عن تعديلات جوهرية في القانون الجنائي الروسي، تمنح بموجبها موسكو “حصانة قانونية” كاملة للمقاتلين الأجانب المنخرطين في صفوف جيشها، وتمنع تسليمهم إلى دولهم الأصلية تحت أي ظرف.
تفاصيل “صك الأمان” الروسي
وتشير الوثائق إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقع رسمياً بتاريخ 8 مارس 2026 على القانون الاتحادي رقم (50-ФЗ)، والذي يقضي بتعديل المادة 464 من قانون الإجراءات الجنائية للاتحاد الروسي.
ويقضي التعديل الجديد بإضافة بند قطعي يمنع السلطات الروسية من الاستجابة لطلبات “التسليم” (Extradition) التي تقدمها دول أجنبية بحق رعاياها، في حال كان هؤلاء الأشخاص:
1. يؤدون الخدمة العسكرية الحالية بموجب عقد في القوات المسلحة الروسية.
2. سبق لهم الخدمة والمشاركة في العمليات القتالية ضمن التشكيلات العسكرية الروسية.
قطع الطريق على الملاحقات الدولية
وبحسب القراءة القانونية للوثيقة التي نشرها الموقع الرسمي للأعمال القانونية في روسيا، فإن هذا القرار يشمل أيضاً الأشخاص “عديمي الجنسية”، ويمنع تسليمهم لأغراض الملاحقة الجنائية أو تنفيذ أحكام قضائية صادرة بحقهم في دولهم الأم أو أي دولة ثالثة.
ويرى مراقبون أن هذا التحرك من قِبل الكرملين يهدف إلى تشجيع المزيد من المتطوعين الدوليين للانضمام إلى صفوف الجيش الروسي، عبر توفير “ملاذ آمن” يحميهم من مذكرات الاعتقال الدولية أو الملاحقات القضائية التي قد تنتظرهم عند عودتهم إلى بلادهم.
عوائق أمام الدول التي تعيد أبنائها
يضع هذا القرار عقبات أمام الدول تمنعها من القدرة على إعادة مواطنيها، إذ يغلق القانون الباب نهائياً أمام أي تفاهمات أمنية مستقبلية لتسليم المطلوبين الذين اتخذوا من الميادين العسكرية الروسية منطلقاً لهم، مما يضع الدول التي يتبع لها هؤلاء المقاتلون أمام تحدٍّ قانوني ودبلوماسي معقد.
ويتزامن إقرار القانون مع استمرار تسجيل وفيات لأفراد يقاتلون في الجيش الروسي ويحملون جنسيات مختلفة بما فيها الجنسية الأردنية، حيث سجل خلال الأيام الماضية حالتي وفاة لأردنيين قُتلا بعد تجنيدهما بالجيش الروسي.
تفاصيل تورط أردنيين بالقتال في الجيش الروسي
مجموعة روسية على تطبيق “تلغرام” تضم نحو 23 ألف مشترك وتستخدم صورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كخلفية لواجهتها.
المجموعة تنشر دعوات بشكل دوري لاستقطاب أفراد للقتال على الجبهة الروسية–الأوكرانية، مقابل منح المشاركين مزايا متنوعة لم يحصلوا عليها في بلدانهم.
القناة تُدار من قبل فتاة روسية تدعى “بولينا ألكسندروفنا”، تقوم بنشر دعوات العمل للراغبين، كما أنها تستقبل أولئك الذين يصلون إلى موسكو قبل إتمام عملية إبرام العقود معهم.
مزايا مغرية للراغبين
تبدأ مزايا الوظائف بدفعة أولية للمشارك فور وصوله إلى روسيا تصل إلى 2,000,000 روبل روسي، أي ما يعادل نحو 17,452 دينارا أردنيا، على أن يتم تقديم مبلغ شهري يصل إلى 256,000 روبل روسي، أي نحو 2,233 دينارا أردنيا.
ويزعم المسؤولون عن عملية استقطاب الراغبين أنهم سيوفرون للمشاركين إمكانية الحصول على الجنسية الروسية فور إبرام العقد، إضافة إلى التدريب على اللغة الروسية، وتأمينهم بـ”الفيزا” وتذاكر التنقل من وإلى موسكو.
ووفق إعلان توظيف آخر، يحق للمشاركين بعد انتهاء مدة خدمتهم الدراسة في الجامعات الحكومية الروسية، إضافة إلى تزويدهم بقطع أراضي لبناء مساكن خاصة بهم.
وأشاروا إلى أن المشارك يحق له إجازة مدفوعة الأجر لمدة أسبوعين بعد خدمة 6 أشهر.
حديث مباشر مع المسؤولين عن عمليات التوظيف
توصل معد التحقيق إلى 4 أرقام تعود للجهات المسؤولة عن عمليات التوظيف، حيث وضع مستخدمو تلك الأرقام صور شعار روسيا الاتحادية ووسموا أسماءهم بـ”Russian Army”.
تواصل معد التحقيق مع “بولينا ألكسندروفنا” مدعيًا رغبته بالحصول على الوظيفة، لترد بإرسال رابط قناة التلغرام التي تتضمن شروط العمل.
في البداية قالت ألكسندروفنا إن التسجيل للوظيفة انتهى، إلا أن معد التحقيق أصر على الحصول عليها، ما دفعها إلى طلب صورة عن جواز السفر وصورة شخصية.
وبعد إرسال الوثائق، أرسلت الفتاة الروسية استبيانًا حول التأشيرة الإلكترونية الروسية، يتضمن معلومات عن جنسية مقدم الطلب، السن، نوع الجنس، الدرجة التعليمية، الغاية من السفر، ومصدر الأموال.
كما تضمن الاستبيان أسئلة عن الخبرات العسكرية، والخدمة العسكرية السابقة، والانخراط في نزاعات، والنشاطات غير القانونية أو السياسية، مع خيار “نعم/لا”.
تواطؤ لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي
بعد إرسال معد التحقيق المستندات، قدمت الفتاة الروسية شكرها قائلة: “تم قبول مستنداتك وإرسالها إلى جهاز الأمن الفيدرالي للتحقق منها”.
وأضافت: “سنرتب لك تأشيرة دخول إلى الاتحاد الروسي وأرسل لك التأشيرة وتذكرة الطائرة”.
العرب وقود لحرب جديدة في أوروبا
استقطاب المشاركين لم يقتصر على الأردنيين، فقد أظهر مقطع فيديو شباب عراقيين يقاتلون على جبهة القتال ضد أوكرانيا، مؤكدين أن حياتهم باتت على المحك.
وأشاروا إلى عدم تصديق المزاعم بأن العملية آمنة أو أن المكافآت المالية تُمنح دون المشاركة الفعلية.
المكافآت المالية تشمل دفع مبلغ فور الوصول، وراتب شهري يزيد على 2,500 دولار أمريكي، والتعويض لعائلة المشارك في حال وفاته يصل إلى 200 ألف دولار.
العقوبات الأردنية لتجنيد المواطنين في قوات أجنبية
بدورها المحامية الدكتورة نور مازن الحديد، المتخصصة في علم الجريمة، قالت إن التشريعات الأردنية، لا سيما قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960، تتعامل بحساسية عالية مع أي تدخلات عسكرية خارجية قد تهدد أمن الدولة واستقلالها.
وأضافت الحديد أن القانون نصّ في المواد (120–121) على عقوبات صارمة بحق من يقوم بتجنيد مقاتلين داخل المملكة لصالح دولة أجنبية دون موافقة الحكومة، تشمل الاعتقال المؤقت وحتى الإعدام إذا كانت الدولة الأجنبية عدوة.
وأوضحت أن بعض الأفعال تندرج ضمن “الاتجار بالبشر” وفق بروتوكول باليرمو الملحق باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود (2000)، إذا تمت عبر عقود وهمية أو شبكات سرية.
-دول ممنوعة من المشاركة
أسماء الدول التي حُجبت من المشاركة:
1. أفغانستان
2. الهند
3. كوبا
4. نيبال
5. باكستان
6. سوريا
7. سيريلانكا
تجارة على ظهر الفقر
استغل المسؤولون عن الاستقطاب حاجة وجهل بعض الأشخاص لتحسين حالتهم المعيشية وإيقاعهم ضحايا لوعود بمزايا مالية كبرى.
وفجعت عائلات أردنية بأخبار مقتل أبنائها أثناء قتالهم على الجبهة الروسية، إذ جرى الإعلان عن مقتل ما لا يقل عن 3 مواطنين أردنيين في الحرب الروسية الأوكرانية خلال الأشهر القليلة الماضية.
الأردن يحذّر روسيا
وكانت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين أكدت أنّها ومن خلال مديرية العمليات والشؤون القنصلية وفي إطار متابعتها المستمرة لعمليات تغرير بمواطنين أردنيين من قِبَل جهات خارجية بغرض التجنيد غير الشرعي، تُتابع التفاصيل المُتعلِّقة بمقتل مواطنَيْن أردنيَّيْن اثنين بعد تجنيدهما للقتال مع الجيش الروسي.
كما أكّدت أنّها تُتابع مع الجهات المعنية الجهود اللازمة لاستعادة جميع جثامين المواطنين الذين قتلوا نتيجة تجنيدهم إلى المملكة، سائلةً الله عز وجل أن يتغمّدهم بواسع رحمته وأن يُلهم ذويهم الصبر والسلوان.
وجدّد الناطق الرسمي باسم الوزارة السفير فؤاد المجالي التأكيد بأنّ تجنيد المواطنين الأردنيين للقتال في جيوش أجنبية يُعدّ مخالفةً للقانون الأردني والقانون الدولي، ويعرّض حياة المواطنين للخطر.
وقال المجالي إنّ الوزارة تهيب بالمواطنين الإبلاغ عن أيّ محاولات لتجنيدهم في الجيش الروسي، وتحذّر من التعامل معها لما في ذلك من خطر على حيوات المواطنين وما يمثّله من خرق للقانون.
وأوضح المجالي أنّ الوزارة تطالب السلطات الروسية بالتوقّف عن تجنيد الأردنيين وإنهاء تجنيد أيّ مواطن أردني جُنِّد سابقًا في الجيش الروسي، وأنّها ستتّخذ كلّ الإجراءات المتاحة لوقف هذه العملية.
وجدّد المجالي التحذير من وجود جهات تعمل عبر شبكات الإنترنت على تجنيد الأردنيين والتغرير بهم وتجنيدهم في جيش أجنبي، مؤكّدًا أنّ الوزارة وبالتنسيق مع المؤسسات الوطنية المعنية تواصل متابعة هذه الجهات واتخاذ الإجراءات القانونية والدبلوماسية اللازمة لوقف هذه الممارسات وحماية المواطنين الأردنيين.
وتعيد هذه المخاطر إلى الذاكرة تفاصيل الهجرة غير الشرعية لأردنيين إلى أمريكا قبل عامين، مما يستدعي تدخلا حكوميا عاجلا لمخاطبة الجانب الروسي ووقف الاستقطاب فورا، حفاظا على حياة الشباب الأردنيين.