فواتير الكهرباء .. استمرار الفجوة بين ما تروج له الجهات ذات العلاقة وما يعيشه المواطن

7٬062

صوت البلد للأنباء –

لم تعد أزمة فواتير الكهرباء في الأردن مجرد أرقام تضاف في نهاية كل شهر، بل تحولت إلى قضية اجتماعية حساسة يتداخل فيها البعد الإنساني مع الاقتصادي، والسياسي مع الإعلامي، دون ظهور أي حل واضح ينهي حالة الجدل المتكررة.

أحدث فصول هذه الأزمة تجسد في فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر فيه سيدة أردنية تناشد شركة الكهرباء لإعادة التيار إلى منزلها المتهالك، بعدما انقطع بسبب فاتورة مستحقة. وأوضحت السيدة في الفيديو أنها دفعت 30 دينارًا، وهو كل ما استطاعت توفيره وسط ظروف معيشية صعبة. الفيديو، الذي عكس بشكل صادق وبسيط عجزها، أثار موجة كبيرة من التعاطف وأعاد فتح التساؤلات حول أهمية المعالجة الإنسانية في التعامل مع ملف الخدمات الأساسية.

ورغم التعاطف الشعبي الذي لم يقتصر فقط على تغطية الفواتير المستحقة للسيدة بل امتد إلى ترميم منزلها بالكامل، وهو ما يعكس أصالة المجتمع الأردني، إلا أن هناك مئات وربما آلاف الحالات الأخرى تواجه ذات المعاناة بين ضيق الحال وحق الشركة في تحصيل مستحقاتها ضمن إطار القانون.

المسألة دخلت منحًى أكثر تعقيدًا بعد تصريحات أحد النواب التي تحدث فيها عن تحميل المواطنين كلفة فاقد الطاقة التي تتحملها شركات الكهرباء. هذه التصريحات وُصفت لاحقًا بغير الدقيقة، مما دفع النائب إلى الاعتذار عبر إحدى القنوات التلفزيونية قائلاً إن كلامه فُهم بشكل خاطئ أو لم يصغ بدقة. لكن الجدل لم يتوقف عند هذا الحد، إذ ظهرت أخبار عن طلب رفع الحصانة عنه بناءً على شكوى متعلقة بهذه التصريحات.

على الرغم من اعتذاره، كان الضرر الإعلامي قد وقع بالفعل، وسرعان ما تحولت القضية من نقاش فني حول فقدان الطاقة وآليات التسعير إلى أزمة ثقة أعمق بين المواطن من جهة، والمؤسسات الخدمية والسلطة السياسية والإعلامية من جهة أخرى.

ما يبرز بوضوح في هذا المشهد هو استمرار الفجوة بين ما تروّج له الجهات الرسمية وما يعيشه المواطن على أرض الواقع. فبينما تؤكد الجهات المختصة أن آليات التعرفة الكهربائية تستند إلى معادلات فنية وتشريعات واضحة، يبقى الشعور السائد لدى المواطن أن فاتورة الكهرباء لا تعكس استهلاكه الحقيقي بقدر ما تمثل عبئًا ماليًا إضافيًا يزيد الأعباء الأخرى الحياتية، خاصة مع بداية فصل الشتاء في كل عام.

من جانبها، تجد شركات الكهرباء نفسها تحت ضغط مستمر بين الوفاء بالتزامات التشغيل، التعامل مع خسائر فاقد الطاقة، وتأمين متطلبات الاستدامة. ومع ذلك، لم تنجح حتى الآن في تبني خطاب شفّاف ومقنع يخفف التوتر الشعبي أو يفسّر الأرقام بلغة يستطيع المواطن العادي فهمها والتعامل معها.

في ظل هذا المشهد المركّب، تبقى المشكلة الأساس دون حلول حقيقية: مواطن يكابد تحديات المعيشة بموارد محدودة، خدمات أساسية لا تتحمل الانقطاع، خطاب سياسي متردد، وإعلام يلاحق التطورات دون تقديم إجابات واضحة أو حلول ناجعة.

ما حدث يُبرز الحاجة الماسة إلى معالجة شاملة وجذرية لقضية الكهرباء في الأردن. معالجة تعتمد على الشفافية كأساس أولي وتمتد لتشمل تطبيق حلول إنسانية لأكثر الحالات ضعفًا بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والاعتذارات اللاحقة من جميع الأطراف.

ففي نهاية الأمر، لم تعد الكهرباء ترفًا، بل أصبحت حقًا أساسيًا يمس كرامة الإنسان ويعدّ من ضروريات الحياة. وأي نقاش حول هذا الملف يغفل أنّ الإنسان هو المحور الرئيسي سيظل مبتورًا وغير مكتمل مهما بلغت دقة التفاصيل الفنية.

قد يعجبك ايضا