صوت البلد للأنباء –
كشفت دراسة حديثة أن ملايين الموظفين الذين يعملون خلال نوبات ليلية معرضون لمشكلات صحية خفية، خصوصًا في الجهاز الهضمي، نتيجة الانحراف عن الإيقاع الطبيعي للجسم. النتائج، المنشورة في مجلة Clinical Gastroenterology and Hepatology، تشير إلى معدلات مرتفعة بشكل لافت للإصابة بمتلازمة القولون العصبي وعسر الهضم الوظيفي مقارنة بعامة السكان.
أرقام مثيرة للقلق
شملت الدراسة موظفين ليليين في كل من المملكة المتحدة وأستراليا، ووجد الباحثون أن احتمالات الإصابة بمشكلات الجهاز الهضمي كانت ثلاثة إلى خمسة أضعاف تلك المسجلة لدى عامة الناس. إذ شُخّص 21% منهم بالقولون العصبي، و30% بعسر الهضم الوظيفي، بينما كان نحو 25% يعانون من الحالتين معًا. بالمقارنة، لا تتجاوز معدلات الإصابة في عامة السكان 4% للقولون العصبي و7% لعسر الهضم الوظيفي.
تأثيرات على العمل والحياة اليومية
أفاد أكثر من نصف المشاركين بأن أعراضهم تتفاقم خلال العمل الليلي، فيما صرح 16% بأنهم فكروا في التخلي عن نوبات الليل بسبب هذه المشكلات. وهذا الأمر يطرح تحديات كبيرة في القطاعات التي تعتمد على العمل المستمر ليلاً مثل الصحة، الطوارئ، النقل، الأمن، الضيافة، التعدين، والصناعات التحويلية، والتي تواجه بالفعل صعوبة في الاحتفاظ بالموظفين.
الساعة البيولوجية في مواجهة العمل الليلي
يشرح الباحثون أن الجسم البشري مهيأ بيولوجيًا للنوم ليلاً والعمل نهارًا، إذ تتباطأ حركة الأمعاء والهضم خلال الليل، ويخضع الميكروبيوم والهرمونات لنظام يومي محدد. وعندما تُقلب هذه الإيقاعات بسبب العمل الليلي، تتأثر وظائف الجهاز الهضمي، وتزداد حساسية الأمعاء، كما تتأثر جودة النوم والتركيز، ويزيد التوتر.
الأشخاص الذين يعملون مناوبات متغيرة بين الليل والنهار معرضون لمخاطر أعلى، لأن ساعتهم البيولوجية تجد صعوبة في التكيف مع التغيير المستمر.
المشكلة ليست غذائية فقط
أظهرت الدراسة أن معدلات الإصابة لا تتعلق بالضرورة بالعادات الغذائية؛ فلم تُسجّل فروق واضحة بين المصابين وغير المصابين من حيث السعرات أو العناصر الغذائية. وبدلاً من ذلك، يُرجع الباحثون السبب إلى الإجهاد الفسيولوجي الناتج عن اختلال الإيقاع البيولوجي. كما لوحظت آثار على الصحة النفسية، مع ارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق والتوتر بين هؤلاء العاملين.
دعوة إلى سياسات دعم صحية متكاملة
خلصت الدراسة إلى أن نحو 40% من العاملين الليليين يعانون من واحد أو كلا الاضطرابين الهضميين، مشيرة إلى فجوة كبيرة في دعم الصحة المهنية. ودعا الباحثون إلى اعتماد حلول متكاملة تشمل:
تنظيم مواعيد الوجبات بما يتوافق مع إيقاع الجسم
دعم الصحة النفسية عبر برامج مرتبطة بمحور الأمعاء والدماغ
تحسين ظروف العمل وتوفير فترات راحة مناسبة
توفير خيارات غذائية صحية للموظفين
جدولة المناوبات لتقليل التنقل بين العمل الليلي والنهاري
وأكدت الدراسة أن مشكلات الجهاز الهضمي للعاملين الليليين منتشرة وخطيرة وغالبًا ما تُهمَل، مشددة على ضرورة تبني سياسات مهنية وصحية تراعي خصوصية العمل الليلي، لضمان عدم دفع الموظفين ثمن استمرار الخدمات الحيوية للمجتمع.