رمضان بلا مطابخ.. أطفال غزة ينتظرون الإفطار على رائحة الدخان

12٬073

صوت البلد للأنباء –

في الخيمة التي لا تقي حرّ النهار ولا برد الليل، تنحني زكية أحمد فوق ثلاثة حجارةٍ رتّبتها بعناية لتصنع موقدًا صغيرًا، تلتقط بيديها المرتجفتين قطعًا من الكرتون وبقايا حطبٍ مبتلّ، وتنفخ طويلًا علّ النار تشتعل قبل أذان المغرب بدقائق، الدخان يملأ المكان، الأطفال يسعلون، والقدور السوداء تحكي قصص وجباتٍ تُطهى على عجلٍ وخوف.

هكذا يأتي رمضان هذا العام في قطاع غزة؛ بلا مطابخ، بلا غاز، بلا مياه كافية، لكن بقلوبٍ تحاول أن تُبقي على طقس الإفطار ولو وسط حرب إبادة لا ترحم.

الطبخة صارت معركة

تقول زكية أحمد (35 عامًا)، وهي نازحة من شمال القطاع: “كنا نستقبل رمضان بالفوانيس ورائحة الشوربة، اليوم أستقبله بالخوف من أن تحرق النار أحد أطفالي، لا أملك سوى هذا الموقد البدائي، وكل مرة أشعر أنني أخاطر بحياتهم لأعدّ وجبة بسيطة”.

حولها، أطفالها الثلاثة يتحلقون بانتظار طبق عدسٍ متواضع لا لحم، لا خضار طازجة، ولا حتى خبزٌ كافٍ.

تضيف “زكية” بصوتٍ متعب: “أكثر ما يؤلمني ليس الجوع، بل شعور العجز. أن تعجز الأم عن إطعام أطفالها في رمضان، هذا وجع لا يُحتمل”.

خيام تتكدّس… ونار تلتهم ما تبقّى

في أحد مراكز الإيواء غرب مدينة غزة، تصطف عشرات الخيام المتلاصقة، بين كل خيمتين نارٌ مشتعلة.

حسام الديب (42 عامًا) يشير إلى آثار احتراقٍ قرب خيمته ويقول: “قبل أيام امتدت النار لخيمة الجيران، طفلٌ صغير أُصيب بحروق.. لا مساحات فاصلة، ولا وسائل أمان.. نحن نطبخ فوق رؤوس بعضنا”.

رمضان الذي كان شهر الطمأنينة صار موسم قلقٍ إضافي؛ فازدحام الخيام، وشحّ المياه، وانعدام أدوات الطهي الآمنة، كلها عوامل تجعل من إعداد وجبة الإفطار مغامرة يومية.

طوابير الماء… قبل طوابير الإفطار

عند صهريج مياه متنقّل، تصطف نساء يحملن أوعية بلاستيكية، تقول ياسمين ياسين: “أحيانًا نضطر للاختيار: هل نستخدم الماء للشرب أم للطبخ أم للوضوء؟ كل شيء محسوب بالقطرة”.

وجبة الإفطار لا تبدأ بتحضير الطعام، بل بالبحث عن ماء، ماءٌ لغسل الأرز، ماءٌ لتنظيف القدر، ماءٌ للشرب بعد صيامٍ طويل، ومع كل دلوٍ يُملأ، تُملأ معه حكاية معاناة.

أرقامٌ باردة… وقلوبٌ مشتعلة

وفق إفادات عاملين في المجال الإغاثي، فإن آلاف العائلات تعيش دون مطابخ مجهزة أو مصادر طاقة آمنة، ما يضاعف مخاطر الحرائق والحروق، خاصة بين الأطفال.

ومع استمرار الحرب وتدمير البنية التحتية، باتت أبسط مقومات الحياة — الغاز، الكهرباء، المياه — رفاهية نادرة.

ومع غروب الشمس، يرتفع الأذان من مسجدٍ متضرر قريب، تمتد الأيدي بالدعاء قبل أن تمتد إلى الطعام، لا موائد عامرة، ولا تجمعات عائلية واسعة، ولا زيارات، فقط خيام، ونار، وأملٌ هشّ بأن يمرّ اليوم بسلام.

وقبل أن ينام، سأل الطفل يزن عبد الله (9 أعوام) والدته سؤالًا لم تجد له جوابًا: “ماما.. لما نكبر، رح يرجع عنا مطبخ مثل قبل؟”.

لم يكن يسأل عن الرفاهية، ولا عن أصناف الطعام، بل عن شعور الأمان، عن موقدٍ لا يخيفه، وسقفٍ لا يتساقط فوق رأسه، ووجبةٍ لا تُطهى على عجلٍ تحت هدير الطائرات.

في غزة، لم يعد رمضان شهر الزينة والطمأنينة، بل امتحانًا يوميًا للصبر، فالأمهات لا يقلقن فقط من تأخر الإفطار، بل من اشتعال النار في خيمةٍ قماشية، من تسرب شرارةٍ إلى بطانية، من صرخة طفلٍ يقترب أكثر مما ينبغي.

هنا، تُطهى الوجبات بين الرماد، ويُكسر الصيام على الخوف، وتُرفع الأدعية بطلبٍ واحد: النجاة.

قد يعجبك ايضا