صوت البلد للأنباء –
في أعماق المحيطات الشاسعة، يُعيد كائن لا يتجاوز حجمه طرف إصبع الخنصر كتابة الفهم للحياة والشيخوخة والبقاء. يُطلق على هذا الكائن المائي الصغير، المسمى “توريتوبسيس دورني” Turritopsis dohrnii، لقب “قنديل البحر الخالد” لقدرته على عكس دورة حياته، وبالتالي تجنب الموت من الشيخوخة نظرياً، وهي حيلة بيولوجية أثارت دهشة العلماء وعامة الناس على حد سواء، مُظهرةً براعة الطبيعة.
وبحسب ما نشرته صحيفة “إيكونوميك تايمز” Economic Times، تشيخ معظم الكائنات، من الحشرات إلى البشر، مع مرور الوقت وتموت في النهاية. لكن قنديل البحر من فصيلة “توريتوبسيس دورني” Turritopsis dohrnii، في ظروف معينة، يستطيع عكس عقارب الساعة في دورة حياته من خلال عملية تُسمى التحول الخلوي.
دورة حياة فريدة
مثل غيره من قناديل البحر، يبدأ قنديل البحر الخالد حياته كيرقة “بلانولا” تستقر على سطح ما، ثم تتحول إلى “بوليب”، وهو شكل ثابت مُلتصق بقاع المحيط. من هذه البوليبات، تنفصل قناديل البحر الصغيرة، وهي قناديل البحر المألوفة التي تسبح بحرية، وتنمو لتصبح بالغة.
لكن هنا يكمن اختلاف Turritopsis dohrnii عن المألوف. فعندما يتعرض هذا النوع للإجهاد، كالجوع أو الإصابة أو تغيرات درجة الحرارة أو حتى الشيخوخة، فإنه يقوم بشيء نادر الحدوث في عالم الحيوان، حيث يعود إلى مرحلة سابقة من حياته بدلاً من الموت.
لقب “الخالد”
في المختبر، لاحظ العلماء انكماش جسم قنديل البحر البالغ، وتدهور لوامسه، واستقراره في قاع البحر. وفي غضون أيام، يتحول ما يبدو ككتلة إلى مستعمرة بوليبات جديدة قادرة على إنتاج قناديل بحر جديدة، مطابقة جينياً للأصل. يشبه هذا التحول البيولوجي أقرب ما يكون عملية إعادة التشغيل، وهو ما أكسب هذا النوع لقبه “الخالد”.
قال مونتي غراهام، خبير قناديل البحر ومدير معهد فلوريدا لعلوم المحيطات، لوكالة أنباء “رويترز” ذات مرة، تم اكتشاف أن “هذا النوع قادر على القيام ببعض الحيل التطورية منذ حوالي 15 إلى 20 عاماً”، موضحاً كيف أثارت دورة الحياة الغريبة هذه فضول الباحثين.
تحدي الشيخوخة الطبيعية
تعني كلمة الخلود البيولوجي أن قنديل البحر “توريتوبسيس دورني” Turritopsis dohrnii لا يموت بسبب الشيخوخة الطبيعية. تسمح له آلياته الخلوية بتجاوز نقطة نهاية دورة الحياة المعتادة التي تواجهها معظم الحيوانات. في بيئة مختبرية خالية من المفترسات والأمراض، يمكن نظرياً أن تستمر هذه الدورة إلى ما لا نهاية.
ولا تعني القدرة على التحول الخلوي أن هذه القناديل لا تموت أبداً. ففي البرية، تموت معظم الكائنات قبل إكمال دورة انعكاس واحدة. وهناك مخاطر الافتراس والأمراض والتغيرات البيئية وغيرها التي يمكن أن تحصد أرواحاً لا حصر لها، مما يعني أنه على الرغم من قدرة هذا النوع على تجنب الشيخوخة، إلا أنه غالباً لا يعيش إلى الأبد في الواقع. وهكذا، كما يشير أحد المصادر العلمية، فإن مصطلح “الخلود” يُشير إلى قدرة الحيوان على تجديد نفسه، وليس إلى النجاة من جميع مخاطر الموت.
إصلاح الحمض النووي
يهتم الباحثون بشكل خاص بكيفية تجنب خلاياه للتلف والتآكل المعتاد، الذي يؤدي إلى الشيخوخة في معظم الكائنات الحية. وكشفت نتائج بعض الدراسات أن “توريتوبسيس دورني” Turritopsis dohrnii يمتلك جينات مرتبطة بإصلاح الحمض النووي وحماية الخلايا تختلف عن تلك الموجودة في الأنواع ذات الصلة التي تفتقر إلى هذه القدرة التجديدية.