صوت البلد للأنباء –
الحركة اليومية ليست رفاهية، بل حاجة أساسية صُمّم لها الجسم البشري. فالدراسات العلمية تؤكد باستمرار أن النشاط البدني المنتظم يلعب دورًا محوريًا في الحفاظ على اللياقة الجسدية، ودعم القدرات الذهنية، وتعزيز فرص العيش بصحة أفضل على المدى الطويل. وبرغم إدراك معظمنا لأهمية المشي، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل يكفي أن نتحرك كيفما اتفق، أم أن لطريقة المشي ومدته تأثيرًا أعمق مما نتصور؟
المشي اليومي بين العفوية والانتظام
بالنسبة لكثيرين، يُعدّ المشي جزءًا عرضيًا من اليوم، خطوات سريعة للحاق بوسيلة مواصلات، أو تجوّل قصير أثناء المكالمات الهاتفية، أو انتقالات متكررة بين المهام والاجتماعات. هذا النوع من الحركة يُحسب بلا شك، لكنه غالبًا ما يكون متقطعًا وقصير المدة.
لكن أبحاثًا حديثة تشير إلى أن جمع الخطوات في فترات أطول ومتواصلة قد يكون أكثر فائدة للصحة، حتى لو كان إجمالي عدد الخطوات اليومي متقاربًا.
ماذا تقول الأبحاث عن مدة جلسات المشي؟
اعتمدت دراسة سكانية واسعة النطاق على تحليل بيانات صحية لعشرات الآلاف من البالغين الذين يمشون أقل من 8000 خطوة يوميًا. ركّز الباحثون هذه المرة على نمط المشي وليس فقط عدد الخطوات، أي على المدة الزمنية التي تستغرقها جلسة المشي الواحدة.
تم تصنيف المشاركين بحسب متوسط مدة المشي المتواصل لديهم إلى:
- أقل من 5 دقائق
- من 5 إلى أقل من 10 دقائق
- من 10 إلى أقل من 15 دقيقة
- 15 دقيقة أو أكثر
ثم جرى تتبع حالتهم الصحية لسنوات طويلة، مع رصد معدلات الوفاة وأمراض القلب والأوعية الدموية.
النتائج: كلما طالت جلسة المشي، انخفضت المخاطر
أظهرت النتائج نمطًا واضحًا، الأشخاص الذين كانت خطواتهم اليومية مجزأة إلى فترات قصيرة جدًا كانوا الأكثر عرضة للمخاطر الصحية. ومع زيادة مدة المشي المتواصل، بدأت هذه المخاطر في الانخفاض بشكل ملحوظ.
- المشي المتواصل من 5 إلى 10 دقائق ارتبط بانخفاض كبير في خطر الوفاة المبكرة.
- المشي لمدة 10 دقائق أو أكثر في المرة الواحدة قدّم حماية أكبر.
- أقل معدلات الإصابة بأمراض القلب لوحظت لدى من اعتادوا المشي 15 دقيقة متواصلة على الأقل.
اللافت أن هذه الفوائد ظهرت بغضّ النظر عن إجمالي عدد الخطوات اليومية، ما يعني أن طريقة توزيع الخطوات لا تقل أهمية عن عددها.
لماذا يعتبر المشي المتواصل أكثر فاعلية؟
رغم أن الدراسة لم تقيس الآليات البيولوجية بشكل مباشر، إلا أن التفسير الفسيولوجي واضح. فالمشي لفترة أطول يسمح بارتفاع معدل ضربات القلب بشكل مستمر، ويُحسّن كفاءة الأوعية الدموية، ويساعد على تنظيم مستوى السكر في الدم، كما يدعم حرق الدهون بشكل أفضل.
هذه الاستجابة المتكاملة للجسم تحتاج إلى وقت، وهو ما لا توفره الحركة القصيرة المتقطعة دائمًا، حتى وإن تكررت خلال اليوم.
كيف تنعكس هذه النتائج على عاداتك اليومية؟
هذا لا يعني أن المشي القصير بلا فائدة؛ فكل حركة تُحسب وتُفيد. لكن إذا كانت معظم خطواتك اليومية تأتي من تنقلات عشوائية وسريعة، فهناك تعديل بسيط يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا:
خصص لنفسك جلسة مشي واحدة على الأقل يوميًا لمدة 15 دقيقة متواصلة.
الخبر الجيد أن هذا الهدف قابل للتحقيق حتى مع الجداول المزدحمة، بشرط التعامل معه كعادة أساسية لا خيارًا ثانويًا.
أثناء المشي، حاول الحفاظ على وتيرة معتدلة ترفع نبضات قلبك دون أن تمنعك من التحدث براحة. فحتى زيادة بسيطة في سرعة الخطوات قد تعزز اللياقة والقدرة على التحمل مع الوقت.