صوت البلد للأنباء –
على مقربة من ساحات فحص السواقة في محافظة إربد، لا تقتصر الحركة على المتقدمين وموظفي الترخيص فقط، بل تشهد نشاطًا لممارسات خفية يقودها أشخاص احترفوا استغلال أحلام المواطنين بالحصول على رخصة قيادة. من خلال ما يمكن وصفه بـ”سوق الواسطة الوهمية”، يجد هؤلاء فرصة للربح عبر الاحتيال.
غالبًا ما تبدأ الحكاية بهمس خفي أو اقتراب محسوب من متقدم تظهر عليه علامات التوتر أو الإحباط بعد عدة محاولات فاشلة للحصول على الرخصة. يأتي العرض بشكل بسيط لكنه مغرٍ: “لا تقلق، عندي واسطة، خمسين دينار وإذا لم تنجح سأعيد لك المبلغ”. هذه العبارة التي تتكرر بصيغ متنوعة تحمل في جوهرها وعدًا كاذبًا بالنجاح مقابل مبلغ بسيط في الظاهر ولكنه كبير من حيث التكلفة النفسية والمادية، حيث أصبحت الرخصة حلمًا صعب المنال لكثيرين بعد تكرار الفشل.
وفقًا لشهادات بعض المتقدمين للفحص العملي، فإن هؤلاء المحتالين لا يملكون أي ارتباط حقيقي بأقسام الترخيص أو لجان الفحص. يعتمدون فقط على احتمال نجاح المتقدم صدفةً، ليعزوا ذلك إلى “الواسطة”. أما في حال الفشل، يتم التذرع بسوء الحظ مع وعد بإعادة المبلغ، وهو وعد نادر الوفاء به، وغالبًا ما يصاحبه مماطلة وإحراج كبير.
ما يجعل هذه الظاهرة أكثر خطورة هو أنها لا تستهدف شريحة معينة فقط، بل تمتد إلى الشباب، العمال، والطلاب ممن أرهقتهم رسوم الإعادة المتكررة. يدفعهم ذلك للبحث عن “حل سريع”، يعتقدونه أقل كلفة وأسرع طريق للنجاح، دون إدراك أنه مجرد وهم.
يرى مختصون أن هذه الظاهرة تدخل تحت إطار الاحتيال الصريح قانونيًا حتى لو أعاد المحتال المبلغ. فالجريمة في هذه الحالات لا تتعلق فقط بالأذى المادي، وإنما بخداع الناس واستغلال حاجتهم. والأخطر أن هذه الممارسات تسيء للسمعة العامة لمؤسسات الدولة وتبث شكوكًا غير مبررة حول نزاهة لجان الفحص التي يُشهد لها بالعمل وفق تعليمات دقيقة ومعايير شفافة.
أما على المستوى الاجتماعي، فتعكس الظاهرة أزمة ثقة عميقة ممتدة؛ ثقة المواطن بالإجراءات، وبنفسه، وبقدرته على النجاح عبر الجهد والتدريب دون الاعتماد على وسائل مشبوهة. كما تُظهر استعداد بعض الأفراد لتبني الأوهام عندما يتغلب القلق على المنطق.
الحلول لهذه الظاهرة لا تقف فقط عند الإجراءات القانونية التي يصعب إثباتها غالبًا، بل تشمل تكثيف الرقابة في المناطق المحيطة بمراكز الترخيص، وتوعية المتقدمين بشكل مكثف بأن الفحص يتم بناءً على الكفاءة وحدها. كما ينبغي تعزيز دور الإعلام في توضيح الحقيقة للناس والتأكيد على أن النجاح ليس له طريق مختصر.
في إربد وغيرها من المحافظات، قد تبدو الخمسون دينارًا مبلغًا ضئيلًا للبعض. لكنها في هذه القصة تمثل ثمنًا باهظًا يدفعه المواطن مرتين: مرة من ماله، ومرة أخرى من ثقته.