صوت البلد للأنباء –
منذ أيام، راحت قضية رفات 99 طفلاً رضيعاً تؤرّق أيرلندا بعدما اكتُشف في موقعَين مرتبطَين بدار رعاية للأمهات والأطفال، فيما تمضي السلطات المعنية في تحقيقاتها لتحديد هويات أصحاب ذلك الرفات والظروف التي أدّت إلى دفنهم. وكان رفات إضافي لـ22 طفلاً رضيعاً قد اكتُش، في خلال أعمال حفر بمدينة توام في مقاطعة غالواي الواقعة بالمنطقة الشمالية والغربية من أيرلندا في الفترة الممتدّة ما بين الأوّل من يونيو/ حزيران الماضي و15 يوليو/ تموز الجاري. وقد أتى ذلك تحديداً في منطقة مغطّاة بالحصى تُستخدَم ممراً للمركبات، من دون أيّ دلائل على مواقع دفن، بحسب ما أفادت صحيفة إنديبندنت البريطانية، في تقرير أخير.
وبعدما رفع الاكتشاف الأخير عدد جثث الأطفال الرضّع المدفونين من 77 إلى 99، علماً أنّ أعمال البحث كانت قد بدأت قبل عام في يوليو 2025، تتواصل اليوم أعمال الحفر اليدوي لانتشال الرفات. يُذكر أنّ هؤلاء الأطفال الرضّع كانوا قد دُفنوا في توابيت، في موقع يعود إلى “دار سانت ماري للأم والطفل” بمدينة توام، وهي واحدة من الدور التي كانت تستقبل شابات من الحوامل العازبات خصوصاً وترافقهنّ إلى حين وضعهنّ مواليدهنّ، قبل أن تفصلهنّ عنهم ويُعرَض عدد منهم للتبنّي، مع العلم أنّ تلك الدور كانت تُدار من قبل جماعات دينية كاثوليكية.
وتتحدّث المؤرّخة المحلية كاثرين كورليس التي تنكبّ، منذ سنوات، على قضيّة أطفال وأمهات مفقودين في مدينة توام، عن “أمور مروّعة” حدثت هناك؛ في “دار سانت ماري للأم والطفل”. وكان أطفال كثيرون قد لقوا حتفهم هناك لأسباب صحية، ارتبطت خصوصاً بسوء التغذية وبأمراض معدية من قبيل الحصبة والسلّ.
وفي تقرير نشرته الموسوعة البريطانية “بريتانيكا”، في 23 يوليو الجاري، تحت عنوان “رضّع توام في أيرلندا”، أعادت المحرّرة رونيه أوستبرغ القضية إلى “خبر صادم برز في غرب أيرلندا في عام 2014″، مع “العثور على رفات بشري، يعود، بحسب ما بدا، إلى رضّع وأطفال صغار، في خزّان للصرف الصحي، في أراضٍ تابعة لدار سانت ماري للأم والطفل التي كانت قائمة في توام سابقاً، بمقاطعة غالواي”. أضافت أوستبرغ، التي تتابع القضية منذ سنوات، أنّ “حقائق مروّعة متعلّقة بدار توام للأم والطفل ظهرت بعد ذلك”، مبيّنةً أنّ “أكثر من 800 طفل توفوا هناك، أي نحو ربع الأطفال الذين عاشوا في الدار في فترة تشغيلها”. وفي حين نقلت محرّرة “بريتانيكا” عن أحد المقيمين السابقين في الدار وصفه إياها بأنّها “حفرة قديمة موحشة ومهجورة”، لفتت إلى أنّ رئيس الوزراء الأيرلندي آنذاك إندا كيني رأى أنّها “غرفة رعب”.
وبيّن تقرير “بريتانيكا” أنّ “دار توام للأم والطفل” كانت تُدار من قبل رهبنة تابعة للكنيسة الكاثوليكية، جماعة راهبات “بون سوكور”، في الفترة الممتدّة ما بين عام 1925 وعام 1961. وكانت هذه الدار، بحسب أوستبرغ، واحدة من مؤسسات عديدة في أيرلندا تديرها جماعات دينية بالتعاون مع الحكومة الأيرلندية، مع العلم أنّ فضائح عدّة سُجّلت في إطار هذه المؤسسات في نهاية القرن العشرين وقد هزّت البلاد وغيّرت نظرة كثيرين إلى الكنيسة الكاثوليكية. لكنّ اكتشاف “أطفال توام”، مثلما أُطلق على هؤلاء، وفقاً لما جاء في تقرير “بريتانيكا”، أثار “غضباً من مستوى آخر. وبالنسبة إلى بعض الأشخاص، مثّل ذلك نهاية حتمية لشهرة أيرلندا التي كانت تُعَدّ أكثر دول العالم تديّناً كاثوليكياً”.
وكان محققون أيرلنديون قد أعلنوا، يوم الأربعاء الماضي، البدء بفحوص جنائية للرفات البشري المكتشف، الأمر الذي يأذن ببدء مرحلة جديدة من الحفر في موقع دفن جماعي من دون شواهد. وصرّح رئيس الفريق المعيَّن لإدارة أعمال الحفر دانيال ماكسويني، لوكالة فرانس برس، بأنّ منشأة مستحدثة للطب الشرعي والتشريح سوف تتيح إجراء الفحوص الخاصة بـ99 مجموعة من الرفات البشري الذي استُخرجَ إلى حينه، أي منتصف الأسبوع المنصرم. وسوف يضطلع بهذه المهام أربعة متخصّصين، قبل إجراء تحليل الحمض النووي لمحاولة تحديد هويات أصحاب الرفات.
وبيّن ماكسويني أنّ المحققين استخرجوا تلك المجموعات من الرفات البشري من منطقة صغيرة نسبياً حُدّدت بوصفها موقع دفن، فيما لم تسفر عمليات الحفر بمناطق أخرى من الموقع عن أيّ رفات. وتابع أنّ طبيعة الموقع المعقّدة تعني أنّ من السابق لأوانه تحديد موعد انتهاء أعمال الحفر والبحث أو التعرّف إلى هوية المدفونين، شارحاً أنّ الأمر يتطلّب بحثاً عن كلّ مدفون على حدة وغربلة التربة المحيطة به بدقّة.
لكنّ ماكسويني أوضح أن “بالإمكان إجراء الفحوص الجنائية للرفات البشري الذي استخرجناه بالفعل” من موقع “دار سانت ماري للأم والطفل” في توام، مشيراً إلى أنّ “ذلك سوف يمكّننا من الذهاب أبعد من البيانات (…)، والبدء بإضفاء طابع شخصي حقيقي على هذه القصص (التي تعود للاطفال الرضّع أصحاب ذلك الرفات)”، كذلك “سوف يتيح لنا فهم كيف عاش هؤلاء الأشخاص وكيف ماتوا”.
من جهتها، أفادت عالمة الآثار الجنائية الأيرلندية نيام ماكولاه وكالة فرانس برس بأنّ الخبراء يحلّلون مينا الأسنان، وذلك للمساعدة في تحديد جنس الرفات العائد للأطفال الرضّع، وهو أمر يستحيل في العادة من خلال التحاليل الخاصة بالهيكل العظمي وحده. يُذكر أنّ هذا التدخّل الأخير أتى بعد سنوات من الحملات ذات الصلة بهذه القضية، المرتبطة بما كشفته المؤرّخة المحلية كاثرين كورليس من أدلّة تُشير إلى دفن مئات الأطفال في الموقع.
وتشير السجلات إلى وفاة 796 رضيعاً وطفلاً صغيراً في “دار سانت ماري للأم والطفل”، دُفن عدد كبير منهم في قبور من دون شواهد. وكانت عمليات حفر تجريبية، أُجريت في عامَي 2016 و2017، قد كشفت عن عدد كبير من جثث الرضّع في خزّان صرف صحي غير مستخدم تحت الأرض التابعة للدار، علماً أنّ صبيَّين كانا قد عثرا على عظام في ذلك الخزّان.
تجدر الإشارة إلى أنّ لجنة حكومية توصّلت، في وقت لاحق، إلى أنّ نحو تسعة آلاف طفل قضوا في دور رعاية الأمهات والأطفال بكلّ أنحاء أيرلندا، الأمر الذي يسلّط الضوء على فصل مظلم من التاريخ الاجتماعي لهذه البلاد.
وأوضح ماكسويني، في تصريحاته لوكالة فرانس برس، أنّ مكتبه جمع عيّنات من الحمض النووي من 62 من أقارب الأطفال الذين قد يكونون مدفونين في الموقع، في حين أنّه يمضي في التواصل مع نحو 200 شخص آخرين، في إطار عملية إثبات الهوية. وتوقّع أن تُسهم التعديلات التشريعية المقترحة، التي تسمح لأبناء العمومة من الدرجة الأولى بتقديم عيّنات من الحمض النووي، في توسيع نطاق برنامج إثبات الهوية.
في سياق متصل، لفت ماكسويني إلى أنّ المحققين استخرجوا سبع مجموعات من الرفات يُعتقَد أنّها تعود إلى إصلاحية في القرن التاسع عشر، كانت تشغل الموقع سابقاً، وليس إلى “دار الأم والطفل” التي أُنشئت في الموقع لاحقاً.
القصة بدأت مع كاثرين كورليس.. ابنة توام
عندما بدأت كاثرين كورليس بحثها حول “دار الأم والطفل” بمدينة توام، مدينتها، في عام 2010، لم تكن لتتخيّل أنّ شغفها بالتاريخ المحلي سوف يقودها إلى ما اكتشفته بعد حين وما اكتُشف أخيراً. وفي نبذة عنها أوردها موقع أمازون للتجارة الإلكترونية، في تسويقه لكتابها “Belonging: One Woman’s Search for Truth and Justice for the Tuam Babies” (الانتماء: رحلة امرأة للبحث عن الحقيقة والعدالة من أجل أطفال توام).
ولأنّ كورليس كانت عازمة على معرفة المزيد، هي التي يعدّها كثيرون مؤرّخة هاوية، دفعها بحثها إلى السعي من أجل تحقيق العدالة لهؤلاء الصغار المدفونين في الموقع المكتشف. بالنسبة إلى “أمازون”، فإنّ “الحقيقة المروّعة” التي كشفتها، على الرغم من مقاومة شديدة في كثير من الأحيان، “هزّت العالم وكان لها أثرها كذلك في الفاتيكان”، فيما شُكّلت في هذا السياق لجنة تحقيق في أيرلندا.
ووصف “أمازون” كتاب كورليس بأنّه “مزيج من السيرة الذاتية، عن الهوية والطفولة وبحث كاثرين عن قصة والدتها المفقودة، ومن قصّة بوليسية”، مبيّناً أنّه تضمّن “سرداً لا يُنسى ومؤثّراً جداً لحملة تحقيق جنائي قادتها امرأة من أجل أطفال توام المفقودين”.